الثورة الإيرانية Print E-mail
By Ted Grant   
Tuesday, 13 May 2008

كتب تيد غرانت هذا المقال سنة 1979. ونعمل نحن هنا على نشر ترجمته العربية نظرا لأهميته ولأننا نعتقد أنه من الضروري لأي عامل وأي مناضل أن يفهم كيف تمكن العمال من إسقاط نظام الشاه الرجعي الممقوت وكيف تمكن الملالي الأصوليون الرجعيون من الركوب على تلك الثورة وإجهاضها. والهدف هو أن نتعلم من أخطاء الماضي لكي لا تتكرر!

الجزء الأول

الأسبوع الماضي، خرج أكثر من ثلاثة ملايين إيراني إلى شوارع طهران، في واحدة من أكبر المظاهرات التي عرفها تاريخ البشرية، للترحيب بعودة القائد الديني آية الله الخميني. شهد الأسبوع الماضي إقامة متاريس ومواجهات بين العمال وقوات الجيش. وفي مشهد يذكرنا بثورة فبراير 1917 [الروسية]، انضم الجنود، الذين كان من المفترض فيهم أن يساندوا النظام القديم إلى الحشود وصاحوا: "نحن مع الشعب".

إيران بلد يعيش مخاضا ثوريا. والقوى المتصارعة فيه هي: النظام الملكي الأوتوقراطي، المدعوم من طرف طبقة الرأسماليين والملاكين العقاريين، والمستند إلى الجيش والبوليس، من جهة. وفي مواجهتهم هناك الطبقة العاملة والطبقة الوسطى التي توجه أنظارها إلى رجال الدين الإسلاميين، وخاصة آية الله الخميني المنفي في باريس.

سنحاول أن نبين فيما يلي الوضع الحقيقي في إيران والطريق الرئيسي الذي يمكن للثورة أن تتبعه. لقد بدأت الثورة في الواقع قبل عام من الآن من خلال مظاهرات ضد الشاه وبوليسه السري الممقوت السافاك.

لا يمكن لنظام كلياني أن يحافظ على بقائه، عندما تكون الجماهير خاملة، إلا من خلال وسائل الإرهاب وجهاز من المخبرين. لكن بمجرد ما تتحرك الجماهير إلى النضال ضد النظام، تدق ساعة النهاية. وقد تبين أن جهاز البوليس السري الرهيب وقف عاجزا أمام حركة الجماهير.

أدى الضغط الآتي من تحت إلى خلق تصدعات بين صفوف الطبقة السائدة. فخشية منهم من أن تتم الإطاحة بهم، حاول الحاكمون إدخال بعض الإصلاحات من القمة من أجل تلافي حدوث ثورة من تحت. من هنا جاءت "توبة" ساعة الاحتضار التي قام بها الشاه وإعلانه المتأخر عن تقديم الإصلاحات، وخاصة "البرلمان" الذي بقي بالرغم من كل شيء مجرد جهاز ملحق بالنظام الملكي.

لكن هذه "الإصلاحات" فتحت الطريق أمام عملية إسقاط حكم الشاه. لقد عبدت الطريق أمام التدخل المباشر للطبقة العاملة في مجرى الأحداث إلى جانب مختلف شرائح الطبقة الوسطى.

أُجبر الملك بهلوي على مغادرة إيران بطريقة مخزية. وقد حدث هذا بالرغم من مقاومة الإمبريالية، وخاصة الإمبريالية الأمريكية. لوث كل من أوين وشلغان شرف الحركة العمالية بالعار من خلال خروجهم لدعم الشاه. لكن محاولاتهم المسعورة لإسناد النظام الملكي الإيراني المترنح انتهت بالفشل.

كان النفط بطبيعة الحال هو المحرك الرئيسي لسياسة الإمبريالية البريطانية والأمريكية اللتان تمتلكان استثمارات ضخمة في إيران. فإيران هي ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم، حيث لا تتقدمها سوى العربية السعودية. هذا النفط مادة حيوية بالنسبة للدول الرأسمالية الغربية وهو واحد من العوامل المحددة في سياسات الإمبريالية البريطانية والأمريكية في العلاقة مع إيران.

إيران هي رابع أكبر منتج للنفط. وسنة 1976 أنتجت 295 مليون طن من النفط (أي 10 % من الإنتاج العالمي)، أنتج الاتحاد السوفييتي 515 مليون طن (17 %)، بينما أنتجت الولايات المتحدة أكثر من 404 مليون طن (13,8 %) وأنتجت العربية السعودية حوالي 422 مليون طن.

الانتقال

حكم الشاه لإيران بعد سنة 1953 جعل منه بلدا يعيش وضعا انتقاليا. لقد صار بلدا نصف مستعمَر ونصف مصنّع وشبه مستعمِر. وفي نفس الوقت الذي يخضع فيه لهيمنة الإمبريالية الأنجلو-أمريكية، حاول أن يحفر لنفسه طريق بلد استعماري. فبعد انسحاب الإمبريالية البريطانية من منطقة الخليج الفارسي، على سبيل المثال، استولت إيران على جزيرتين وحاولت أن تلعب دور الشرطي بين دول الخليج.

حافظ الشاه على بقاء نظامه من خلال إتقانه صنع وسيلة إرهاب وقمع، أطلق عليها اسم السافاك، أي البوليس السري. يمكن تشبيهها بالغيستابو من حيث أساليب التعذيب الشيطانية والاغتيالات والإعدامات والرعب الذي فرضته على الشعب الإيراني.

في الوقت نفسه، وفي سياق سعيه إلى جعل إيران واحدة من أعظم القوى في العالم، عمل الشاه على نهج سياسة تصنيع سريع جدا. حدث هذا أساسا بعد سنة 1973 عندما تضاعف سعر النفط أربعة مرات. مما مكن الشاه من فائض هائل من الملايير لغاية الاستثمار.

كان الشاه يحاول لعب دور ملك مطلق على شاكلة الأنظمة الملكية الإيرانية القديمة. وفي الوقت نفسه كان يحاول عصرنة اقتصاد البلد. وطبق "إصلاحا زراعيا" من أجل اكتساب قاعدة دعم لنظامه. أدى هذا "الإصلاح الزراعي" إلى إثراء النبلاء والملاكين العقاريين المتغيبين الذين سيطروا على إيران. حققوا ثروات هائلة كتعويض، الشيء الذي استثمروه في الصناعة. كانت الفكرة هي تحويل النبلاء إلى طبقة رأسمالية، إلى طبقة سائدة على النموذج الغربي.

الدافع الحقيقي وراء هذا الإصلاح الزراعي كان هو طرد الفلاحين من الأرض من أجل توفير اليد العاملة للمصانع. وكما صرحت صحيفة الإيكونوميست: « عوض الأسر القروية الإيرانية، سمح [الشاه] لرئيس وزراءه السابق، السيد هوفيدا، بأن يقيم معسكرات زراعية، الشيء الذي شكل تقويضا لروح الإصلاح الزراعي.»

هذا التصنيع المكثف في ظل حكم الشاه أربك بشكل كامل هؤلاء الذين كانوا يدّعون، أو يتطلعون إلى، قيادة العمال الإيرانيين. يصدق هذا بشكل خاص على الحزب الشيوعي (المسمى حزب توده). لقد تصرف هذا الحزب طيلة سنوات حكم الشاه وكأنه حزب ميت. لم يعمل على طرح أية سياسة مستقلة. يجد هذا الوضع تفسيره في السياسة الخارجية للبيروقراطية الروسية. فحزب توده في إيران خاضع كليا للبيروقراطية الروسية.

لم تكن البيروقراطية الروسية تريد أية مواجهة مع الإمبريالية الأمريكية في إيران، بسبب الأهمية الكبيرة التي تكتسيها إيران كبلد منتج للنفط. لقد تخلت البيروقراطية في الإتحاد السوفييتي منذ زمن بعيد عن أي تفكير في التطورات الثورية التي يمكنها أن توجه تهديدا مباشرا للمصالح الحيوية للإمبريالية، وخاصة الإمبريالية الأمريكية، بسبب الاحتمال المؤكد لتدهور العلاقات بين روسيا وأمريكا الذي يمكنه أن يحدث في هذه الظروف.

"الصحافة الصفراء"

كانت الصحافة الصفراء في بريطانيا مخطئة عندما صرحت بأن هذه الأحداث ناتجة عن تدخل ومؤامرات البيروقراطية الروسية، في الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي.

فعلى العكس من ذلك، حاولت البيروقراطية الروسية دعم نظام الشاه. لقد كانت منخرطة في تجارة مربحة مع الشاه، ورتبت لاستيراد كميات هائلة من الغاز الطبيعي من إيران وحاولت عموما الإبقاء على علاقات ودية مع الشاه. لقد نظرت بارتياب إلى التطورات الثورية التي تحدث في بلد مجاور لها، خاصة وأنه بلد ذو طبقة عاملة كبيرة أبانت عن طبيعة ثورية خلال سياق هذه الأحداث.

لقد أدى تغير موازين القوى على الصعيد العالمي إلى تركز قوة هائلة بين أيدي البيروقراطية السوفييتية، بينما أدى إلى إضعاف الإمبريالية الأمريكية. وبالرغم من أنها لم تكن مستعدة للقيام بأية خطوة بنفسها، فإن البيروقراطية السوفييتية حذرت من أي تدخل مباشر للإمبريالية الأمريكية في الشؤون الداخلية لإيران. وأشارت إلى أن ذلك التدخل سوف يستثير رد فعل فوري من الاتحاد السوفييتي، الذي سوف يرسل عندها قواته إلى إيران.

لقي هذا التحذير، من جانب البيروقراطية السوفييتية، صداه عند الدبلوماسيين الأمريكيين. اقترح مجانين البنتاغون إرسال حاملات الطائرات والسفن الحربية إلى الخليج الفارسي، من أجل التدخل ضد الثورة الإيرانية، وهو الاقتراح الذي رفضته وزارة الخارجية، التي تفهم عواقب مثل هذا الفعل على الصعيد الدولي في العالم المستعمر وبالطبع عواقبه في إيران وعلى الاتحاد السوفييتي.

يبين هذا الواقع تضائل قوة الإمبريالية. الإمبريالية الأمريكية لم تتردد في التدخل في فيتنام، أو في لبنان أو الدومينكان. لكن الآن وبسبب عوامل داخلية ودولية، وجدت الإمبريالية الأمريكية نفسها عاجزة عن التدخل المباشر في الشؤون الإيرانية.

في ظل هذا الوضع كان الانشغال الرئيسي للحزب الشيوعي هو الجري وراء القوى الدينية الرجعية وآية الله لطلب إقامة نوع من "الجمهورية الإسلامية الديمقراطية".

لكن ليس الحزب الشيوعي الإيراني وحده هو من أبان عن رد فعل ضعيف في إيران خلال مجرى الأحداث الأخيرة. فالعصب اليسارية المتطرفة هي أيضا لعبت، كالعادة، دورا سلبيا. وقد عبر بعضها عن تعاطفه ودعمه للطلاب "الثوريين" في إيران.

الطلاب

الطلاب الثوريون في إيران لم يتم توجيههم نحو الطبقة العاملة ولا إلى طرح برنامج لنضال الطبقة العاملة، بل، على العكس، طلب منهم العصبويون التوجه نحو انتهاج أساليب الإرهاب الفردي العقيمة. لقد اعتبر العصبويون الطبقة العاملة، كما هي عادتهم دائما، طبقة مفلسة وجاهلة وأمية وعاجزة كليا عن تغيير موازين القوى القائمة في إيران. وقد تعززت تصوراتهم بفعل واقع أن الطبقة العاملة كانت فاقدة تماما للتنظيم قبل حدوث التطورات الحالية.

حجة العصب وهؤلاء الذين اتجهوا نحو الإرهاب الفردي كانت هي أن الشاه كان يُصنِّع البلد، ومن ثم فإنه يمتلك كل الأوراق بين يديه. لقد رفع الشاه من مستوى عيش الطبقة العاملة وقدم تنازلات هائلة للطبقة العاملة وأيضا للفلاحين. وهذا بدوره سوف يؤدي إلى استقرار نظامه. أعلنوا أنه في إمكان الشاه أن يحافظ على بقاء نظامه طيلة عقود كنتيجة للـ "الثورة البيضاء" والتطور الصناعي. وبالمصادفة كان الإمبرياليون بدورهم مقتنعون بهذه الأفكار. فعلى سبيل المثال أصدرت وكالة المخابرات الأمريكية تقريرا، أواخر شهر شتنبر 1978، تقول فيه أن الشاه يمتلك نظاما مستقرا وسيواصل التحكم في زمام السلطة طيلة العشر أو الخمسة عشر سنة المقبلة على الأقل!

مأساة إيران الحقيقية هي واقع أنه لم يكن هناك أي فرع للماركسيين، لا بين صفوف الطبقة العاملة ولا بين الطلاب للتحضير لهذه الأحداث العظام، بالطريقة التي حضر بها لينين والبلاشفة في روسيا.

لا تستطيع العصب القصيرة النظر أن ترى سوى الهموم والدمار في التطور الهائل للصناعة. لكن تيار Militant من جهته أعلن أن تطور الصناعة قد زاد أيضا بشكل هائل من قوة الطبقة العاملة، وهي القوة التي ظهرت مؤخرا في بريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة واليابان وألمانيا الغربية.

إضرابات عمال السفن شهادة بليغة عن استيقاظ وقوة العمال.

لقد أدت عمليات التعذيب الرهيبة وانعدام الحقوق والحرية، والإهانات التي عانت منها الجماهير وخاصة الطبقة العاملة في إيران إلى اندلاع حركة جماهيرية صلبة. في الظاهر كان الشاه يقف على أرض صلبة وهذا هو الشيء الوحيد، مع الأسف، الذي كان في إمكان الراديكاليين في إيران رؤيته.

إذ قبل كل شيء لم تمضي سوى مابين ستة وثمانية أشهر منذ أن كان الشاه يقدم للبريطانيين النصيحة حول كيفية التعامل مع الإضرابات و "الاضطراب الدائم" "للمؤسسات الديمقراطية في بريطانيا"!

لكن قندس الثورة العجوز كان يحفر تحت سطح الهدوء الظاهري. لقد تفاجأت وكالة المخابرات الأمريكية والإمبريالية وكذا منظمات الطبقة العاملة.

على الرغم من ذالك، كانت هناك، خلال السنوات القليلة الماضية، العديد من المؤشرات عن أزمة النظام. بسبب منع كل المنظمات المعارضة لـ "حزب" الشاه، اتجهت المعارضة إلى التجمع في المساجد. يصدق هذا خصوصا على الفلاحين والطبقة الوسطى بل وحتى فئة التجار المعارضين لنظام الشاه.

بسبب فشل الحزب الشيوعي والراديكاليين، حتى في محاولة تنظيم معارضة بين صفوف الطبقة العاملة، عبّر الغضب عن نفسه في المساجد، حيث ألقيت الخطب الراديكالية، التي وبالرغم من كونها غامضة وضبابية، فقد فسرتها الجماهير بطريقتها الخاصة.

صادر الشاه أراضي المؤسسة الدينية. لم يستفد الفلاحون من هذه الخطوة بل فقط النبلاء. وهذا ما أجبر آيات الله، أو القادة الدينيين، الممثلين الرئيسيين للمؤسسة الدينية الإسلامية في إيران إلى معارضة النظام.

لقد فسرت الجماهير خطب الملالي كدعوات حقيقية إلى النضال ضد نظام الشاه الكلياني والاستبدادي. رفع الملالي مطلب تطبيق دستور سنة 1906.

يجب أن نتذكر أن حوالي ثلثي سكان إيران لا يزالون أميين. هذه نتيجة للإرث الذي خلفه نظام الملاكين العقاريين والنبلاء المتعفن.

المظاهرات

ما بين شهر أكتوبر 1977 وفبراير 1978 كانت هناك مظاهرات جماهيرية غير مرخص لها تطالب بالحقوق الديمقراطية. ثم خلال الأشهر الأخيرة من سنة 1978 اندلعت تحركات ضخمة للطلاب والتجار والطبقة العاملة أيضا. تحت غطاء الاحتفال بالأعياد الدينية كان يتم تنظيم مظاهرات تضم آلاف المشاركين. لم يؤدي القمع الذي مارسته قوات الشاه، الجيش والبوليس، إلا إلى مضاعفة سخط الجماهير وأدى إلى اندلاع تحركات أكبر فأكبر في طهران وفي جميع مدن إيران.

ومع تعمق النضال، صارت الطبقة العاملة، كما كان الحال في روسيا، هي رأس رمح الشعب المستيقظ. خلال الثورة الروسية الأولى، 1905، بدأت الثورة بمظاهرة يقودها كاهن، الأب غابون، تطالب ببعض التنازلات وتطلب من القيصر، "الأب الأصغر" إصلاح الأوضاع. تسبب هذا في جعل الجيش يطلق النار على الشعب، فقتل المئات وجرح الآلاف وبدأت ثورة 1905 الروسية. بنفس الطريقة شهدنا بداية الثورة في إيران.

لكن هناك اختلافات هامة بين روسيا سنة 1905 والحركة الحالية في إيران. لقد بدأت الثورة الإيرانية على أساس وعي أكبر من جانب الجماهير. لم تكتب جماهير الشعب أية عريضة لـ "أبيها" الشاه، بل على العكس من ذلك طالبت بالقضاء على الملكية. كانت شعاراتها هي: "فليسقط الشاه" و"الموت للشاه".

تشكل الطبقة العاملة في إيران نسبة أكبر كثيرا بين السكان من النسبة التي كانت تشكلها الطبقة العاملة الروسية قبل سنة 1917. هناك مليونا (2 مليون) عامل إيراني في القطاع الصناعي وحده، وثلاثة أرباع المليون آخرين في قطاع النقل وغيره من الصناعات. إضافة إلى ذلك هناك فئات عريضة قريبة من الطبقة العاملة بين الموظفين وعمال الخدمة المدنية والخادمات وأصحاب المشاريع الصغرى.

أغلب المؤسسات الصناعية في إيران صغيرة، لكن وبالرغم من ذلك هناك بعض الشركات الاحتكارية الضخمة التي تسيطر على الساحة. بعضها يشغل المئات والآلاف بل وعشرات الآلاف من العمال. في روسيا كان عدد الطبقة العاملة أربعة ملايين عامل فقط بين ساكنة تساوي 150 مليون نسمة. أما الطبقة العاملة الإيرانية فإنها تساوي على الأقل ثلاثة إلى أربعة ملايين، بين ساكنة تساوي خمسة وثلاثون مليونا.

بعبارة أخرى، موازين القوى داخل الطبقة العاملة فيما يتعلق بقوتها العددية هو أكثر ملائمة في إيران مما كان الحال عليه في روسيا سنة 1905 أو 1917.

العمال

لكن، من جهة أخرى، كان موجودا في روسيا الكوادر البلشفية والحزب، وقدر من الوعي الاشتراكي، على الأقل بين صفوف العمال الأكثر تقدما.

دور الطبقة العاملة في عملية الإنتاج يعني حتما أن العمال يطورون وعيا جماعيا، سواء في سيرورة العمل وفي سيرورة النضال ضد مضطهديهم. هذا هو السبب الذي يجعل الطبقة العاملة هي الطبقة الوحيدة القادرة على تغيير المجتمع.

حركة عمال النفط، ما يسمى بالفئة ذات الامتيازات بين الطبقة العاملة في إيران، قوضت بشكل حاسم في الواقع أسس النظام. خلال الشهرين الأخيرين كان هناك إضراب عام متقطع في حقول النفط. وبالرغم من القمع العسكري والاعتقالات ضد القادة وعمليات إطلاق النار، فقد ضل عمال النفط ثابتين على موقفهم ورفضوا العمل على إنتاج النفط لصالح النظام الممقوت إلى حين مغادرة الشاه. لقد خرجت الجماهير، بمن فيهم الطبقة العاملة مرارا إلى التظاهر.

السافاك

ساهم عمال القطاع العمومي والأبناك، كما كان الحال في البرتغال، بجزء حاسم في تركيع الملكية المطلقة على ركبتيها. أدى إضرابهم إلى شل القطاع المالي للبلد. كان إضراب البنك المركزي على وجه الخصوص جد فعال. وقد تلا هذا إحراق الجماهير الغاضبة لأربعمائة مؤسسة بنكية.

عندما أضرب موظفو البنك أعلنوا أنه تم تهريب مليار دولار إلى خارج البلاد، خلال الثلاثة أشهر الأخيرة، من طرف 178 عضو من أعضاء النخبة الحاكمة، بمن فيهم أسرة الشاه. والآن عمل الشاه في سياق تحضيره للالتحاق بالمنفى، بعدما أرسل عائلته إلى الخارج، على تحويل مليار دولار إلى أبناك أمريكية. هذا إضافة إلى المليار دولار تقريبا الموجودة في بنوك بون، وسويسرا وفي أجزاء أخرى من العالم. لقد نهبت الخزينة العامة الإيرانية من طرف الأوتوقراطية.

ضمت الثورة أغلب فئات الأمة ما عدا حفنة الرأسماليين والملاكين العقاريين ومؤيدي الملكية وقسم من ضباط الجيش. لقد تعرض التجار وصغار أصحاب الحوانيت للإفلاس بفعل تطور الرأسمالية الحديثة في إيران. الشيء الذي أدى إلى صب الزيت على نار الكراهية اتجاه الحاكم المطلق الذين يرون فيه مصدر مآسيهم. تعرض الآلاف للقتل نتيجة للقمع الذي سلطته قوات الدولة: البوليس والسافاك والجيش. لقد شهدت كل مدينة في إيران مظاهرات وشهدت إطلاق النار على هذه المظاهرات وشهدت محاولات تنظيم الردة الرجعية ضد الطبقة العاملة وضد الشعب.

في العديد من المدن الأصغر، حدثت هجمات فاشستية، من طرف قوات الجيش والبوليس ومجرمين لقطاء، فيما يشبه قوات المائة السود في روسيا قبل الثورة. لقد استعملت تلك القوات لهدف القمع والاغتصاب، من أجل إرهاب القرويين والطبقة العاملة في المدن الصغرى في إيران. ومما لا شك فيه لو أنهم تمكنوا من النجاح في تطبيق أساليبهم هذه لكانوا استخدموها في المدن الكبرى.

من أجل أن يترك سمعة حسنة وذكرى طيبة عمل الشاه على تقديم مبلغ 25 مليون دولار الهزيل (بالنسبة إليه) لمؤسسة خيرية. لكن بطبيعة الحال فإن الشاه، المتعود على فخامة النظام في إيران، وهو يحضر للذهاب إلى ما يشبه المنفى، لم يرد طبعا أن يكون فقيرا، فأخذ بعض المصاريف معه: مليار دولار.

الملايين

الميل السائد في جميع الثورات الحديثة هو خروج الجماهير، بالملايين، إلى الشوارع. كالمظاهرات التي شهدتها البرتغال لأكثر من مليون شخص بعد سقوط نظام كايتانو. في إيران تظاهر الملايين. حسب التقارير المتحيزة التي تنشرها الصحافة الرأسمالية فقد خرج على الأقل مليون إلى مليوني متظاهر إلى شوارع طهران من أجل إسقاط الشاه. مئات الآلاف تظاهروا في جميع المدن الإيرانية. وتظاهر عشرات الآلاف في البلدات الأصغر. إنها حركة للفقراء، وللمحرومين والمستغَلين، بمن فيهم العمال والطبقة الوسطى والعمال أصحاب الياقات البيضاء والتجار، بل وقد انخرط في الحركة حتى قسم من الرأسماليين لخدمة أهدافهم وغاياتهم الخاصة. إنهم يريدون الركوب على ظهور العمال والطبقة الوسطى.

الجزء الثاني

شهد الأسبوع الماضي سقوط حكومة باختيار. وقد انتقلت السلطة إلى الشوارع، في أكبر مدينتين في إيران، طهران وأصفهان. وقد توجب إعادة قوات الجيش إلى الثكنات بعدما ظهر عليها خطر التفكك تحت تأثير الثورة. المقال التالي الذي كتب قبل سقوط باختيار، توقع سقوطه ويحلل المسار الذي يمكن أن يأخذه تطور الثورة الإيرانية.

دق فرار الشاه نهاية المرحلة الأولى من الثورة. إنه حلم رجعي ذلك الذي يعيشه الشاه بأنه سيستطيع العودة سريعا، بالرغم من مناورات باختيار.

وأخيرا تم إسقاط النظام الملكي في إيران نتيجة للتجاوزات والفساد والوحشية والتعذيب الذي مارسه طيلة الربع الأخير من القرن. لن يعود أبدا إلى الدوس على حناجر الشعب الإيراني المحروم حتى من أبسط الحقوق.

الميزة الحاسمة للثورة الإيرانية، كما هو الحال في جميع الثورات، كانت هي الدور الذي لعبه الجيش. من الواضح أن الشاه تخلى عمليا عن السلطة لأنه صار من المستحيل استمرار السيطرة على الجيش مدة أطول. لقد تصدع الجيش من العديد من النواحي. نرى هنا مرة أخرى التفنيد التام لموقف الإصلاحيين الذين يزعمون أن الثورات صارت مستحيلة في ظل الظروف الحديثة بسبب الدور الذي يلعبه الجيش.

الجيش الحديث أكثر حساسية اتجاه التحركات التي يقوم بها الشعب، والطبقة العاملة، من أي جيش آخر في التاريخ. لم يعد الأمر يتعلق بكتائب المشاة الفاقدين لأي تدريب حقيقي وبدون أي مستوى من الفهم. على العكس من ذلك صار على الجيش أن يكون عالي التخصص والتحكم في التكنولوجيا. إنهم يقومون بمهام مشابهة لغيرهم من العمال ويفكرون مثل العمال.

هذا ما يجعل الجيش أكثر نزوعا إلى الاستجابة لتحركات العمال. الجيش مشكل من أبناء وإخوان وعائلات العمال، والفلاحين والطبقة الوسطى. نشهد في أي ثورة في التاريخ، وخاصة في الثورة الروسية 1917، وفي الثورة الألمانية 1918، كيف انتقلت جماهير القوات المسلحة إلى جانب الشعب، عندما رأت إمكانية إحداث قطيعة تامة مع النظام القديم.

حدثت في إيران حوادث من قبيل إطلاق أحد الجنود للنار على اثنين من ضباطه عندما أعطي الأمر بإطلاق النار على المتظاهرين، وبعدها أقدم على الانتحار.

من جهة أخرى، كانت هناك حركة الجماهير. لكن بدون دعوة واضحة للجيش للالتحاق بجانب الشعب. نتيجة لذلك بقي الجنود يشعرون بأنفسهم تحت القبضة الثقيلة للانضباط العسكري وخطر المحاكمة العسكرية بتهمة التمرد.

كانت هناك العديد من الحوادث لالتحاق الجنود بصفوف المتظاهرين أو سماحهم للمتظاهرين بالصعود فوق الدبابات. وتبين حوادث أخرى الوجه النقيض حيث أطلق الضباط النار على خمسة من الضباط الطلاب بسبب محاولتهم مغادرة الثكنات من أجل الالتحاق بالمتظاهرين.

في العديد من الحالات في البلدات الرئيسية لإيران كانت هناك حالات مماثلة لرفض الجنود إطلاق النار والتآخي مع المتظاهرين وعمليات ضد الضباط من طرف الجنود. أبدى العديد من الضباط الصغار بدورهم تعاطفهم مع الحركة الجماهيرية.

السبب الذي جعل الجيش لا يلتحق بجانب الطبقة العاملة، بجانب الشعب كما كان الحال في روسيا سنة 1917 وفي ألمانيا سنة 1918، هو غياب أية منظمة قادرة على توفير القيادة.

لو تم طرح بديل اشتراكي للعمال والجنود، لتغيرت بالتأكيد كل الوضعية في إيران. كان من الممكن توزيع ملايين المنشورات على الجنود. لو توفرت ولو منظمة من بضعة مئات أو من ألف عضو فقط، لكان من الممكن توزيع ملايين المنشورات على العمال والجنود. كان من الممكن لهم أن يشرحوا القضايا التي تواجه إيران في الوقت الحالي، ولكان من الحتمي تقريبا، في ظل هذه الظروف، انتقال الجيش إلى جانب الشعب.

ستشهد هذه الثورة، مثلها مثل الثورة الإسبانية 1931 – 1937، العديد من فترات المد والجزر. يمكن أن تتعرض الجماهير للهزيمة بعد مرحلة من النضال. يمكن للرجعية أن تتمكن من إعادة لم صفوفها.

لكنه لن يكون من الممكن للجيش خلال المستقبل القريب أن يقيم دكتاتورية عسكرية، كما يود ذلك الإمبرياليون الغربيون. أية محاولة لإقامة نظام دكتاتوري عسكري سيواجه بتحرك أكثر شراسة من جانب الجماهير وسينتهي بحدوث انشقاق داخل الجيش.

نضج الظروف لنجاح الثورة الاشتراكية في إيران يؤشر عليه واقع أن اللبراليين، ما يسمى بالجبهة الوطنية، وجدوا أنفسهم مجبرين على تبني برنامج "اشتراكي" أو شبه اشتراكي. الوضع الحالي هو كما لو أن حزب الكاديت (اللبراليون في روسيا قبل 1911) اتحد في حزب واحد مع الاشتراكيين الثوريين (حزب الإصلاح الزراعي الراديكالي) وزعم كونه حزبا اشتراكيا.

لكن قادة الجبهة الوطنية، من أشباه سانجابي المنحدر من صفوف الفئات العليا من الطبقة الوسطى (بل حتى من بين الطبقة الرأسمالية)، عبروا، مثلهم في ذلك مثل اللبراليين في روسيا، عن عظيم خوفهم من الجماهير. باختيار، الذي كان مطرودا شكليا من الجبهة الوطنية، عمل بالرغم من كل شيء على تشكيل حكومة بمساعدة ودعم من جانب الشاه والجيش.

يود سانجابي، مثله مثل باختيار، الاحتفاظ بالملكية. إنهم يطمحون إلى ملكية مروضة إلى درجة معينة، لأنه يمكن للملكية الدستورية أن تلعب دور الحصن ضد الثورة وضد الطبقة العاملة. لقد احتفظوا بالدور الكلاسيكي للبراليين في الثورة. أهدافهم الرئيسية هي إرهاق الثورة وثلم نصلها وتحقيق تغيير للنظام بدون تعديل البنى الأساسية التي يقوم عليها المجتمع الحالي.

نرى هنا ما أسماه تروتسكي بقانون التطور المركب. جميع العناصر لقيام ثورة اشتراكية موجودة. لا يمكن للبراليين أبدا أن يلبوا أهداف وحاجيات الشعب العامل أو حتى الفلاحين. إنهم، في آخر المطاف، ممثلون للطبقة الرأسمالية وللرأسمال المالي.

وقد صرح زعيم الجبهة الوطنية، سانجابي، في أحد الحوارات الصحفية قائلا:

« نحن داخل الجبهة الوطنية نريد الحفاظ على الجيش، نريد جيشا قويا ولا نريد أن نقوم بأي شيء يضرب معنو&