إن إقالة الدكتاتور السوداني السابق، عمر البشير، واستيلاء الجيش على السلطة في 11 أبريل هو محاولة لإرباك الجماهير وسرقة إنجازهم. ومع ذلك، فإن الجماهير لن تتخلى عن نصرها الذي حققته بشق الأنفس بهذه السهولة. وهذا المقال الهام الذي توصلنا به من طرف الرفيق محمد حسام، المناضل الماركسي الثوري من مصر، يوضح مسارات الثورة ومنظوراتها ويحدد مهام الماركسيين والثوريين السودانيين في التنظيم لبناء القيادة الثورية من أجل نظام اشتراكي يقوم على إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ووضعها تحت رقابة وإشراف العاملين بها.

«خمد صوت الحركة الثورية بمجرد ما بدأت طبول الحرب تقرع. تم إرسال الفئات الأكثر نشاطا من بين العمال إلى التجنيد. وانتزعت العناصر الثورية من المصانع وألقي بها إلى جبهات القتال. كما تم فرض عقوبات صارمة على الإضراب وتم قمع الصحافة العمالية، وخنق النقابات العمالية. تدفق مئات الآلاف من النساء والأطفال والفلاحين إلى ورشات العمل. تسببت الحرب -إضافة إلى تحطم الأممية- في خلق تيهان سياسي كبير بين العمال، ومكنت أصحاب المصانع، الذين رفعوا رؤوسهم آنذاك، من استعمال خطابات وطنية وجرفوا معهم قسما كبيرا من العمال، وأجبروا العمال الأكثر جرأة وحزما على اتخاذ موقف التحفظ والانتظار. بقيت الأفكار الثورية موجودة بالكاد في حلقات صغيرة وصامتة. في المصانع في تلك الأيام لم يكن أحد يجرؤ على وصف نفسه بأنه "بلشفي"، وذلك ليس فقط خوفا من الاعتقال، بل أيضا من أن يتعرض للضرب على يد الفئات المتخلفة من العمال» .

لم يكن ذلك هو المحتوى الحقيقي لشعار لينين، بل كان مجرد وسيلة للتعبير عن الحاجة إلى النضال ضد الشوفينية ومعارضة "Burgfrieden" (السلم الاجتماعي). كان جوهر الموقف هو التأكيد على أن الاشتراكيين لا يمكنهم تحمل أي مسؤولية في الحرب الإمبريالية، وأنه حتى هزيمة روسيا تعتبر "أهون شراً" من شر دعم البورجوازية الروسية وحربها التوسعية. لقد كان من الضروري غرس هذه الفكرة في عقول الكوادر، لتحصينهم ضد مرض الشوفينية. إلا أن لينين، من ناحية أخرى، كان واقعيا جدا ويفهم أنه من الخطأ الفادح الخلط بين الطريقة التي يرى بها الثوريون الأمور وبين مستوى وعي الجماهير. يتمثل كامل فن بناء الحزب الثوري وترسيخ جذوره بين صفوف الجماهير على وجه الدقة في معرفة كيفية الربط بين البرنامج الماركسي العلمي الكامل وبين وعي الجماهير الذي هو بالضرورة غير مكتمل ومشوش ومتناقض. ولهذا السبب بالتحديد، قام لينين بتعديل موقفه عندما عاد إلى بتروغراد في الربيع، مشيرا إلى أنه رأى أن هناك نوعان من النزعة الدفاعية، هما نزعة الاشتراكيين الشوفينيين الخونة ونزعة "الدفاعية النزيهة" عند الجماهير. وهو عندما قال هذا لم يتخل عن موقفه السابق حول الانهزامية الثورية، بل اعترف فقط بأنه يجب عند نقل هذه الأفكار إلى الجماهير أن تأخذ في الحسبان المستوى الفعلي لوعيها. إن عدم القيام بذلك كان من شأنه أن يحول الحزب إلى مجرد عصبة.