من كوخه في رازليف، كان لينين يتابع باهتمام شديد سيرورة الثورة، ويلتهم جميع التقارير والإحصاءات والروايات، وأي شيء يمكنه أن يساعد في فهم المسألة الأكثر أهمية وهي متى يجب على الحزب أن يضرب؟ وباستخدامه لطريقته الدقيقة المعتادة قام لينين بدراسة نتائج كل الانتخابات وكل الأصوات في السوفييتات والنقابات ومجالس المدن، في محاولة منه لمعرفة ما الذي تعنيه بالنسبة لميزان القوى الطبقية. لم ينس لينين ولو للحظة أن إحصاءات الانتخابات تقدم علاقة القوى بطريقة جزئية ومشوهة، لكن كل شيء كان يشير إلى تقدم سريع للحزب الثوري. كانت ذكرى تمرد كورنيلوف ما تزال حية في أذهان العمال والجنود، وكان خطر الثورة المضادة قد أثار استقطابا وتجذرا سريعين داخل السوفييتات. في كل مكان كانت هناك انتخابات جديدة في السوفييتات ومنظمات الجنود في الجبهة. وفي جميعها تقريبا، سجل التصويت لصالح البلاشفة تقدما مذهلا. كانت السلطة تنزلق من بين أيدي الزعماء اليمينيين الذين أظهروا عجزهم الكامل خلال حالة الطوارئ. بدأت السوفييتات في المراكز الصناعية الرئيسية (بتروغراد، فنلندا، الأسطول، الجيوش الشمالية، موسكو والمنطقة الصناعية الوسطى، الأورال) تغير، الواحد منها تلو الآخر، ولاءها من المناشفة والاشتراكيين الثوريين نحو البلاشفة.

صار فيروس كورونا محفزا لانهيار أسواق الأسهم، مع تسجيل انخفاض حاد في كل مكان خلال “يوم الاثنين المشؤوم”. ويشكل هذا الوباء “صدفة” تاريخية فضحت المرض الزمن للنظام الرأسمالي، ويهدد بأن يتحول في أي لحظة إلى ركود أعمق حتى من 2008.

كانت السوفييتات هي الساحة الحاسمة للنضال، دون شك. ومنذ اللحظة الأولى لعودة لينين، صار الحزب البلشفي موجها بحزم نحو هدف الاستيلاء على السلطة. لكن الشرط المسبق لذلك كان هو كسب الأغلبية الساحقة من الطبقة العاملة. وكان هذا يعني كسب الأغلبية داخل تلك المنظمات التي تتمتع بولاء جماهير العمال والجنود، أي السوفييتات. لكن العائق الكبير كان هو هيمنة الزعماء الإصلاحيين، المناشفة والاشتراكيين الثوريين، عليها. فمن فبراير حتى الصيف، استمرت الأغلبية في يد المناشفة والاشتراكيين الثوريين الذين فضلوا التحالف مع الليبراليين البرجوازيين، رغم أنهم اضطروا إلى تغطية هذه السياسة باستخدام الصيغة القديمة، “دعم الحكومة المؤقتة ‘بقدر’ ما طبقت هذه السياسة أو تلك”. كان هذا لإسكات انتقادات العمال السوفياتيين الذين كانوا بطبيعتهم لا يثقون في الحكومة البرجوازية، لكنهم كانوا يثقون في قادتهم وما كانوا ليتخلوا عنهم بشكل تلقائي، رغم أنهم لم يكونوا يتفقون مع بعض سياساتهم. كان وضع البلاشفة في البداية سيئا للغاية. كان ضعفهم داخل السوفييتات، بعد فبراير مباشرة، أكبر مما تشير إليه الأرقام. كانت لديهم تمثيلية كبيرة في بعض السوفييتات لأنهم تعاونوا مع المناشفة لتقديم قوائم مشتركة. وهكذا تمكن البلاشفة، في ساراتوف، من الحصول على ثلاثة مقاعد من أصل خمسة في هيئة رئاسة السوفييت، بينما لم يكن لديهم سوى 28 نائبا من أصل 248 نائبا في الجلسة العامة[1].