الماركسيون والثورة الفنزويلية Print E-mail
By Alan Woods   
Friday, 16 May 2008

« إن من يتوقع رؤية ثورة اجتماعية "نقية" لن يعيش مطلقا حتى يراها. مثل ذلك الشخص، يتحدث بلا انقطاع عن الثورة، دون أن يفهم ما معنى الثورة.» (لينين)

هناك أنواع عدة من الماركسيين: بعضهم قرأ كثيرا وبعضهم الآخر قرأ أقل. بعضهم تكبد عناء التعمق في جوهر المنهجية الماركسية والقيام بدراسة جدية للديالكتيك، بينما اكتفى البعض الآخر بفهم سطحي لتلك الأمور، واقتصروا على تبني جبرية اقتصادية فظة، قد تكون ذات فائدة فيما يخص التحريض لكنها في الواقع جد بعيدة عن الماركسية.

عندما نقرأ كتابات "ماركسيين" من ذلك القبيل، يخامرنا دائما انطباع بأننا ننزل إلى قبو مكتبة مظلم ظل مغلقا طيلة عدة سنوات. هناك العديد من فتات المعارف الغير مهضومة. المكان سيء التهوية، مليء بالغبار وعقيم. يتعلق الأمر بماركسية مجردة من الديالكتيك، أي محرومة من روحها الثورية. هذا النوع من "الماركسية" هو في جوهره فكر جد متوافق مع الإصلاحية والسلبية، بما أنه وبالرغم من مصطلحاته الجذرية، لا يغادر أبدا الأريكة الوثيرة ولا لباس النوم.

هذا الانحراف شائع جدا في بريطانيا على وجه الخصوص، حيث ينحدر من تقليد طويل يعود حتى إلى هيندمان. إنه يعكس، من جهة، التقليد البريطاني المتمثل في تجريبوية ضيقة ومقت شديد للتعميمات النظرية الكبرى. ومن جهة أخرى، هو ثمرة لضغط الأفكار الإصلاحية والجانب الروتيني للحركة العمالية.

يتوجب على الثوري أن "يحس" بحركة الجماهير وأن يحملها في روحه. وعلى عكس ذلك يفهم أدعياء المعرفة المجدون المسلسل التاريخي كمسألة "قوى إنتاج" تحدد كل شيء مسبقا. هؤلاء الناس ليسوا ثوريين، بل هم بالأحرى ملاحظون أبديون وجهة نظرهم أقرب ما تكون إلى مفهوم الجبرية الكلفاني (calviniste) منها إلى الديالكتيك الماركسي الثوري.

لقد لعبت فكرة الجبرية دورا تقدميا خلال المراحل الأولى للثورات البورجوازية في هولندا وفي إنجلترا، خلال القرنين 16 و17. إلا أنها صارت الآن باطلة تماما. يعطي الديالكتيك الماركسي هامشا كبيرا للدور الخلاق للرجال والنساء في المسلسل التاريخي. لكنه يشرح أيضا أن هؤلاء الرجال والنساء ليسوا أبدا أحرارا تماما عن الشروط الموضوعية للمرحلة التاريخية التي يعيشون فيها.

يجب على الثوري أن يمتلك فهما للمنهج الديالكيتيكي، الذي لا ينطلق من تحديدات أو بديهيات مجردة، بل من الواقع الحي، بكل خصوصياته وثرائه وتناقضاته. يجب عليه أن يتعامل مع الحركة الجماهيرية كما هي في الواقع، كما تطورت تاريخيا، وأن يبذل جهوده، بكل الوسائل التي يمتلكها، من أجل الدخول في علاقة معها وخلق حوار معها وتخصيبها بالأفكار الماركسية.

إن الثوري الغير مستعد لتتبع الجماهير عبر هذا المسلسل المتناقض، ويكتفي بترديد خطبته على هامش الحركة، لا علاقة له على الإطلاق بالمناضل الثوري، بل هو مجرد صوري مثير للرثاء. إن أية مقاربة ميكانيكية ودوغمائية اتجاه الحركة العمالية تحول دون أية إمكانية لامتلاك تأثير عليها.

العامل الذاتي

لم تنفي الماركسية أبدا دور الفرد في التاريخ. في فترات محددة من السيرورة الثورية يمكن للأفراد أو لمجموعات من الأفراد أن يلعبوا دورا حاسما جدا. ما شرحه ماركس، وقد كان محقا تماما في ذلك، هو أن قدرة نظام اجتماعي اقتصادي محدد على البقاء يحددها في آخر المطاف، قدرته على تطوير القوى المنتجة. وهكذا فإن الأزمة الحالية للرأسمالية العالمية تعكس، في العمق، عدم قدرة هذا النظام على تطوير القوى المنتجة كما كان في السابق.

هذا الواقع الأكيد يحدد السياق التاريخي العام الذي تحدث فيها المأساة الكبرى للسياسة العالمية. إنه يحدد بشكل مطلق السيرورات العامة. إنه يعين حدودها. لكن داخل إطار هذه السيرورات العامة، يمكن وجود كل أنواع التطورات المتناقضة، فترات من المد والجزر، حيث يمكن للمميزات الشخصية لدى الأفراد أن تلعب دورا حاسما. في الواقع إن ضعف العامل الذاتي على الصعيد العالمي هو العامل المحدد حيث يؤخر ويشوه الحركة نحو الثورة الاشتراكية.

إن العامل الأكثر أهمية في ظل الوضع الحالي هو غياب قيادة ماركسية قوية ومؤثرة على الصعيد العالمي. التيار الماركسي الحقيقي تعرض للعزلة طيلة عقود، ولا يمثل اليوم سوى أقلية ضئيلة. ليس قادرا بعد على قيادة الجماهير نحو النصر. لكن مشاكل الجماهير غير محتملة. لا تستطيع الجماهير أن تنتظرنا حتى نصير مستعدين لقيادتها. ستحاول تغيير المجتمع بواسطة جميع الوسائل، وإيجاد مخرج من المأزق. يصدق هذا خصوصا على البلدان المستعمرة سابقا في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث لا توجد أية إمكانية لتطوير المجتمع على قاعدة الرأسمالية.

في ظل غياب تيار ماركسي جماهيري، تصبح جميع أنواع التطورات الخاصة ممكنة، بل في الواقع حتمية. من أجل فهم طبيعة هذه التطورات ومن أجل التمييز، في كل مرحلة، بين ما هو تقدمي وما هو رجعي، من الضروري التوفر على مقاربة خلاقة.

بالنسبة للتفكير العصبوي، يجب على الثورة أن تتلائم مع مخطط موضوع سلفا. على سبيل المثال، يجب عليها أن تكون بقيادة حزب ماركسي. نحن أبعد ما نكون عن أن نستهين بالأهمية الحاسمة التي للقيادة الثورية والحزب الثوري إبان الثورة. لكن من أجل بناء مثل ذلك الحزب، من الضروري أن نقيم، بطريقة واقعية، المرحلة التي وصلتها الحركة، والدور الذي يمكننا أن نلعبه خلالها. سنعود إلى هذه النقطة فيما بعد.

مشكلة المقاربة العصبوية هي أنها تعوض السيرورة الحية بصيغ جاهزة، بتحديدات مجردة ومعايير عامة. بعبارة أخرى، إنها مقاربة مثالية وليست مادية، وميتافيزيقية وليست جدلية. هذه المقاربة تفبرك معيارا مثاليا حول ماهية الثورة وترفض بشكل منهجي كل ما لا يتوافق مع ذلك المعيار. بالنسبة للعقلية المثالية هذا ممتاز. لكن من المعروف منذ أفلاطون أن مثل ذلك الصفاء يتعارض غالبا مع الواقع الحي.

نعرف جميعا كيف نحدد إنسانا: إنه إما ذكر أو أنثى، لديه أو لديها عينان وساقان، وهكذا. لكن في الحياة الواقعية، يولد بعض الأشخاص بعين واحدة أو بساق واحدة، أو بدون أية ساق. حتى جنس بعض الأشخاص نفسه لا يمكن تحديده بالتدقيق. في الواقع، كثيرا ما نشهد في الطبيعة أو في الحياة اليومية، أشياء تخالف المعايير، والتي يجب علينا أن نتعلم التعايش معها، وإلا فإننا سنتعرض لجميع أنواع الحيرة والمشاكل.

نجاح الثورة سيكون مضمونا، فعلا، لو توفر الحزب الماركسي الجماهيري، الذي يمكنه أن يعطي القيادة الضرورية للشرائح الطليعية بين صفوف الطبقة العاملة ويسلحها ببرنامج سياسي. إلا أن بناء مثل ذلك الحزب لا يمكن تحقيقه بواسطة المراسيم. لا يمكن للطليعة الثورية أن تكسب الأغلبية إلى جانبها إلا بعد الخضوع لامتحان الأحداث وكسب ثقة الجماهير. لا يمكن تحقيق هذا من خلال مخاطبة الجماهير انطلاقا من الهوامش. وقبل التمكن من التأثير في الجماهير يتوجب أولا أن نفهم طبيعة الحركة الجماهيرية والمرحلة التي وصلتها ومختلف الميولات (المتناقضة) التي تتواجد داخلها، وكذا الاتجاه الذي تتطور نحوه. أي بعبارة أخرى: يجب امتلاك مقاربة ديالكتيكية.

أول قانون للديالكتيك هو الموضوعية المطلقة: عندما ندرس ظاهرة معينة، يجب علينا أن لا ننطلق من أفكار أو تحديدات معدة مسبقا، بل من دراسة جد دقيقة للوقائع، ليس لأمثلة أو استطرادات بل للشيء ذاته. إذا ما أردنا فهم الأحداث التي تقع في فنزويلا، والدور الذي تلعبه هناك الحركات والأشخاص، يتوجب علينا الانطلاق من الوقائع نفسها. يجب على التحليل بالمعنى الديالكتيكي أن يكون ناتجا عن امتحان مدقق للوقائع والسيرورات وليس مسقطا عليها من فوق.

هكذا كانت منهجية تروتسكي. في مقدمته لكتابه: تاريخ الثورة الروسية، كتب قائلا: »

يجب على تاريخ الثورة، مثله مثل كل تاريخ، أن يروي، قبل كل شيء، ما الذي حدث وأن يشرح كيف. لكن هذا لا يكفي. ومن خلال الحكي نفسه يجب أن نرى بوضوح لماذا سارت الأحداث بهذه الطريقة وليس بطريقة أخرى.لا يمكن اعتبار الأحداث كسلسلة من المغامرات، ولا أن تقحم، الواحدة منها بالأخرى، على أساس أخلاقي محدد مسبقا. يجب أن تنضبط لقوانينها الخاصة. مهمة الكاتب هي اكتشاف هذه القوانين الداخلية.»

تقدم هذه الأسطر مثالا رائعا للمنهجية الديالكتيكية في التحليل. لكن المفكرين الصوريين، على العكس من ذلك، لا يرهقون أنفسهم بدراسة دقيقة للوقائع والسيرورات. ولا يكلفون أنفسهم العمل بجد لاكتشاف قوانين حركة ثورة معينة، لأنهم يعلمون مسبقا (أو يتخيلون أنهم يعلمون) قوانين الثورة بوجه عام. وهكذا وبما أنهم مسلحون بهذه المعرفة العامة، فإنهم غير محتاجين لإضاعة وقتهم في دراسة الوقائع. ليس عليهم إلا أن يسقطوا أفكارهم وتحديداتهم المعدة سلفا على الوقائع، مثلما يصب أي عالم كيمياء سائلا ما على ورقة pH. إذا ما أصبحت الورقة حمراء يكون لدينا سائل حامضي، أما إذا صارت زرقاء فإن السائل قاعدي.

مثل هذه المنهجية سهلة، بل وطفولية في الواقع، ومن ثم فإنها تناسب الأطفال الصغار بشكل تام. يمكن للصوري، المسلح بمثل هذه المعرفة الواسعة، أن يقرر مسبقا ما إذا كان سيعتبر أن ما يحدث في فنزويلا، أو في أي مكان آخر على هذا الكوكب، ثورة حقيقية أم لا. إنهم يرفضون، من فوق قمم جبل الأولمب، أن يعطوا الثورة الفنزويلية شهادة الميلاد. إلا أن الثورة، لحسن الحظ، ليست على علم بهذا التحريم الكنسي، ولا هي مهتمة به.

ما هي الثورة؟

ضعف موقف العصب بخصوص فنزويلا، إذا كان من الممكن الحديث عن موقف لدى هؤلاء، يتمثل في أفكارهم المعدة مسبقا حول الثورة "كما يجب أن تكون"، مما يبين جهلا تاما بما هي الثورة.

ما هي الثورة؟ قلما يتم طرح هذا السؤال الجوهري. لكن إذا لم نعمل على طرحه والإجابة عليه، لن نتمكن أبدا من تحديد ماذا يحدث الآن في فنزويلا، ولا في أي مكان آخر. إن الثورة كما يشرح تروتسكي في كتابه: تاريخ الثورة الروسية، هي وضع تبدأ الجماهير خلاله في أخذ مصيرها بين أيديها. هذا بالتأكيد هو الحال في فنزويلا اليوم. إن استيقاظ الجماهير ومساهمتها النشيطة في الحياة السياسية هو الميزة الأكثر وضوحا للثورة الفنزويلية، وكذا سر نجاحها.

في نفس المقدمة كتب ليون تروتسكي، الذي يعرف الشيء الكثير عن الثورات، ما يلي:

« إن الميزة الأكثر تأكيدا لثورة ما هي التدخل المباشر للجماهير في الأحداث التاريخية. في العادة ترفع الدولة، لا سواء الملكية أو الديمقراطية، نفسها فوق الأمة؛ التاريخ يصنعه متخصصون: الملوك، الوزراء، البيروقراطيون، البرلمانيون، الصحفيون. لكن خلال الانعطافات الحاسمة، عندما يصبح النظام القديم غير محتمل من وجهة نظر الجماهير، تكسر هذه الأخيرة السياجات التي تفصلها عن الحلبة السياسية، وتسقط ممثليها السياسيين التقليديين، و، بتدخلها هكذا، تخلق نقطة انطلاق لنظام جديد. نترك للكتاب الأخلاقيين أن يحددوا ما إذا كان هذا جيدا أو سيئا، أما نحن فسنأخذ الوقائع كما هي، في تطورها الموضوعي. إن تاريخ الثورة بالنسبة إلينا هو، قبل كل شيء، حكاية اقتحام عنيف للجماهير للمجال حيث يحدد مصيرها الخاص. » (ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية، المقدمة، التشديد من عندي –آ و-)

خلال المراحل العادية، لا تشارك الجماهير في السياسة. فظروف العيش في ظل الرأسمالية تزرع في طرقهم عراقيل هائلة: ساعات العمل الطويلة، التعب الجسدي والنفسي، الخ. عادة يكتفي الناس بأن يعهدوا بمسألة اتخاذ القرارات التي تهم حياتهم لأناس آخرين: المجلس البلدي، السياسيون المحترفون، الموظفون النقابيون، الخ.

مع ذلك، تعمل الجماهير، عند لحظات حاسمة، على اقتحام مسرح التاريخ، وتأخذ حياتها ومصيرها بين أيديها، وتتحول من عوامل سلبية للسيرورة التاريخية، لكي تصبح صانعة الأحداث. يجب أن يكون المرء بليدا جدا لكي لا يرى أن هذا هو ما يحدث بالضبط في فنزويلا اليوم. خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد الانقلاب الفاشل، أبريل 2002، بدأ ملايين العمال والفلاحين في التحرك والنضال من أجل تغيير المجتمع. إذا لم يكن هذا ثورة، فإننا لن نرى ثورة أبدا. وحدهم العصبويون الذين لا يرجى شفائهم من لا يفهمون هذا.

يجب أن نفهم أن الجماهير، لا سواء في فنزويلا أوفي غيرها، لا تتعلم إلا بطريقة تدريجية انطلاقا من تجربتها الخاصة. يجب على الطبقة العاملة أن تمر من خلال تجربة الثورة والأزمة الاجتماعية من أجل أن تتعلم كيف تميز بين مختلف التيارات، وبين مختلف البرامج والقادة. إنها تتعلم من خلال تقديرات تقريبية متوالية. وكما شرح تروتسكي:

« المراحل المختلفة للسيرورة الثورية، التي تتميز باستبدال أحزاب بأخرى دائما أكثر تطرفا، تعكس الدفع القوي الذي تمارسه الجماهير نحو اليسار، طالما لم تنكسر هذا الاندفاعة أمام عراقيل موضوعية. عندما يحدث ذلك، تبدأ الردة الرجعية: فقدان الحماس بين بعض أقسام الطبقة الثورية، تزايد اللامبالاة، و، في النهاية، توطيد القوى المعادية للثورة. هذا على الأقل هو مسار العام للثورات السابقة.»

ويضيف:

« فقط من خلال دراسة السيرورات السياسية بين الجماهير نفسها نتمكن من فهم دور الأحزاب والقادة، وهو الدور الذي لا نميل مطلقا إلى تجاهله،. إنهم لا يشكلون عنصرا مستقلا ذاتيا، لكنهم عناصر جد هامة في هذه السيرورة. بدون منظمة قائدة، تتبدد طاقة الجماهير كالبخار الغير محصور في اسطوانة المكبس. لكن ما يحرك الأشياء ليس هو الاسطوانة ولا المكبس، بل البخار.» (نفس المرجع)

تنطبق هذه الملاحظات بشكل تام على الوضع في فنزويلا، حيث تشكل حركة الجماهير، من تحت، القوة المحركة الرئيسية للثورة. من المستحيل أن نفهم هذه السيرورة إذا ما نحن اقتصرنا على نقاش مسألة القادة، وأصولهم الطبقية وتصريحاتهم وبرامجهم. إنهم ليسو إلا مثل زبد البحر: لا يشكلون في النهاية إلا انعكاسا سطحيا للتيارات التي تعتمل في الأعماق.

الجماهير وتشافيز

« تتحدد دينامية الأحداث الثورية بشكل مباشر بالتحولات السريعة والمكثفة والحماسية في نفسية الطبقات التي تشكلت قبل الثورة.» (تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية)

في ظل غياب حزب ماركسي ثوري جماهيري، تحلقت قوى الثورة حول تشافيز والحركة البوليفارية. يوجد هوغو تشافيز في مركز الإعصار. أيا كان الموقف الذي يمكن للمرء أن يتخذه من هذا الرجل، فإنه هو من فتح أقفال الثورة. هو الوحيد الذي تجرأ على مواجهة سلطة الأوليغارشية وتحدي قوة الإمبريالية الأمريكية. حتى أعدائه ومنتقدوه يعترفون أنه عبر عن شجاعة هائلة. ومن خلال إعطائه لمثال شجاع تمكن من تحرير القوى الهائلة التي ضلت محصورة طوال أجيال في أعماق المجتمع الفنزويلي. إن هذا واقع يكتسي أهمية عظيمة.

لقد بدأت الجماهير تشعر، للمرة الأولى منذ حوالي قرنين من تاريخ فنزويلا، أن الحكومة موجودة بين أيدي أناس يريدون الدفاع عن مصالحها. كانت جميع الحكومات في الماضي دائما سلطة غريبة عن الجماهير ومعادية لها. إن الجماهير لا تريد عودة الأحزاب القديمة الفاسدة. لقد نهض سكان دور الصفيح الفقراء والعاطلون والعمال والفلاحون والهنود والسود، من خمولهم السياسي ووقفوا على أرجلهم. لقد اكتشفوا معنى آخر للحياة، وإحساسا جديدا بالكرامة وأملا جديدا. لقد أصبحوا، بين عشية وضحاها، مناصرين لتشافيز، بالرغم من أنهم لا يعرفون جيدا ما الذي يعنيه هذا.

ربما لا تمتلك الجماهير سوى فكرة عامة حول ما الذي تريده فعلا، لكن لديها فكرة واضحة جدا حول ما الذي لا تريده. إنها لا تريد أن ترى عودة النظام السابق، والأحزاب السابقة والقادة الرأسماليين السابقين. لقد تذوقت معنى الحرية وهي لا تريد العودة إلى العبودية الماضية. إنها تتطلع بكل ذرة من كيانها إلى إحداث تغيير جوهري في ظروف حياتها. هذا هو ما يعنيه بالنسبة إليها التيار التشافيزي. وفي وجدانهم يتجسد هذا الحلم الكبير بالتغيير في رجل واحد: هوغو تشافيز.

يستغرب العديد من الناس للحماسة، الشبه دينية، التي تقابل بها الجماهير رئيسها. من أجله ستكون الجماهير مستعدة لتحمل الجوع والفقر، والتضحية بكل ما تملكه، والمجازفة بحياتها (كما عملت قبل سنتين [شهر أبريل 2002 – م-]). يشكل هذا قوة رائعة، ويفسر كيف تمكن تشافيز من الانتصار على جميع محاولات إسقاطه. السر الحقيقي وراء نجاحه لا يكمن في شخصه هو، بل في الجماهير، وأيضا قوة الجماهير هي التي تحدد كل مسار الثورة وتشكل محركها الرئيسي.

لا يتمكن أعداء تشافيز اليمينيين من فهم هذا، لأنهم عاجزون بنيويا عن فهم دينامية الثورة نفسها. لا يمكن للطبقة السائدة والمثقفين المأجورين لديها، أن يتقبلوا أبدا فكرة أن الجماهير تمتلك عقلا وشخصية خاصة بها، وأنها تشكل قوة جد خلاقة، قادرة ليس فقط على تغيير المجتمع، بل أيضا على تسييره. إنهم لا يستطيعون تقبل شيء من هذا القبيل، لأنهم إذا تقبلوه، سيعترفون في نفس الوقت بإفلاسهم ويكشفون أنهم لا يشكلون مجموعة اجتماعية ضرورية، لديها حق مقدس في الحكم، بل أنهم مجرد طبقة زائدة طفيلية وعائقا رجعيا في وجه التقدم.

العصبويون عاجزون عن الفهم

لكن ليس أعداء الثورة البورجوازيون هؤلاء هم وحدهم من لا يستطيعون فهم الثورة الفنزويلية. فقد عبر العديد من الأشخاص الآخرين، على اليسار، (بمن فيهم بعض من يسمون أنفسهم ماركسيين)، عن عجز مشابه عن فهم ما الذي يحدث في فنزويلا. لقد أصيب هؤلاء الأشخاص، الذين نصبوا أنفسهم قادة للطبقة العاملة، بالخزي والعجب بسبب الدعم الحماسي الذي توليه الجماهير لتشافيز. إنهم يتذمرون في الهامش حيث يقفون ويغمغمون بشيء ما بخصوص "الشعبوية"، لكنهم يعبرون عن عجز مطلق عن التواصل مع الحركة الواقعية للجماهير. لكن هذه هي الميزة الرئيسية للعصبويين في كل مكان.

الشيء الذي لا يفهمه أي من هؤلاء السيدات والسادة هو العلاقة الجدلية بين تشافيز والجماهير. إنهم يشتركون في مقاربة صورية وميكانيكية للثورة. إنهم لا ينظرون إليها كسيرورة حية، مليئة بالتناقضات والتفاوتات. هي لا تتطابق مع مخططاتهم المعدة مسبقا حول كيف يجب على الثورة أن تكون، ومن ثم فإنهم يديرون لها ظهورهم باحتقار. إنهم يتصرفون مثل ذلك الأوروبي الذي كان أول من رأى زرافة فقال مستغربا: "أنا لا أصدق هذا!"

إن الثورة، لسوء حظ أصدقائنا الصوريين، لا تتطور بصورة متناغمة، إنها لا تسير وفق مخطط معد سلفا، إنها لا تعزف بطريقة أوركسترا تتبع مخصرة قائدها. الثورة تتبع قواعدها الخاصة وتنضبط لقوانينها الداخلية، التي لا توجد في أي من كتب الطبخ الثوري، بل تجد جذورها في تناقضات المجتمع التي تتحضر تدريجيا عبر العمل الجماعي للجماهير نفسها، التي لا تتعلم في الكتب، بل من خلال خبرة النضال وعبر مسلسل مؤلم من التجارب والأخطاء.

إلا أن العصبويين يحتجون قائلين: "لكن تشافيز بورجوازي". هؤلاء الناس يفكرون دائما باستعمال مفاهيم مبسطة: أسود أو أبيض، نعم أو لا، بورجوازي أو بروليتاري. لقد كان العجوز إنجلز يتحدث هذا النوع من العقلية الصورية عندما استشهد بالأسطر التالية من الإنجيل: "فليكن كلامك نعم، نعم، لا، لا؛ لأن كل ما يضاف إلى هذا يأتي من الشيطان." للوهلة الأولى تبدو هذه المطالبة بالتحديد الصارم الواضح مسألة حكيمة وعقلانية. لكنه ليس من الممكن دائما المطالبة بتحديدات صارمة واضحة.

ليس من الصحيح، حتى من وجهة النظر السوسيولوجية، القول أن "تشافيز بورجوازي". الأصول الطبقية التي ينحدر منها هوغو تشافيز ليست بورجوازية، بل هو بالأحرى من الطبقة الوسطى. إنه يعتبر نفسه فلاحا. وأيا كان الحال، فإن هذا لا يحسم المسألة من وجهة نظر الماركسيين. الطبقة الوسطى ليست طبقة منسجمة. فئاتها العليا: المحامون الأغنياء والأطباء والأساتذة الجامعيون، هم أقرب إلى البورجوازية ويخدمونها. وفي المقابل تعتبر فئاتها الأدنى: صغار التجار والفلاحون الفقراء والمثقفون الكادحون، أقرب إلى الطبقة العاملة، ويمكن، في ظل شروط محددة، أن يتم كسبهم إلى قضية الثورة الاشتراكية.

إلا أن الأصول الطبقية للقادة ليست بدورها مسألة حاسمة عندما تتعلق المسألة بتحديد الطبيعة الطبقية لحزب ما أو حركة ما. فالذي يحدد الطبيعة الطبقية لحركة سياسية ما، هو، في أخر المطاف، برنامجها وسياستها وقاعدتها الاجتماعية. يمكننا أن نحدد برنامج وسياسة الحركة البوليفارية، بوجه عام، كبرنامج وسياسة الديمقراطية البورجوازية الصغيرة الثورية. وهكذا، فإنها لا تسير إلى ما وراء حدود ديمقراطية بورجوازية جد متقدمة. لقد طرحت الثورة برنامجا طموحا للإصلاحات لصالح الجماهير، لكنها لم تقضي بعد على الرأسمالية. وهذا ما يشكل نقطة ضعفها الرئيسية، وأكبر تهديد يتربص بها في المستقبل.

مسألة الدولة

ويصر أصدقائنا الصوريون قائلين: "لكن الدولة لا تزال بورجوازية!". نعم، طالما لم تتم بعد مصادرة أملاك الأوليغارشية وطالما لا يزال جزء كبير من السلطة الاقتصادية بين أيديها، فإن فنزويلا تبقى بلدا رأسماليا، ويجب علينا أن نحدد بنفس الطريقة الطبيعة الطبقية للدولة الفنزويلية. علاوة على ذلك، لا يزال جزء كبير من البيروقراطية القديمة في السلطة: النظام القضائي موروث عن النظام السابق والبوليس الحضري يتصرف كدولة داخل الدولة، وولاء قطاعات من الضباط المتوسطين ليس مؤكدا. يعني هذا أنه لم يتم بعد القيام بتغييرات نوعية، ومن ثم فإنه لا يزال في الإمكان حدوث ردة إلى الوراء. إلا أنه لا يمكن حدوث هذا بدون مواجهة شرسة وحرب أهلية.

لكن التحديد العام للدولة الفنزويلية كدولة بورجوازية لا يخبرنا أي شيء عن موازين القوى الحقيقية، أو الواقع الملموس لهذه الدولة، أو عن الطريق التي يتطور فيها الوضع. في الحقيقة الدولة في فنزويلا لم تعد تحت سيطرة البورجوازية. وهذا هو ما يجبر الأوليغارشية على اللجوء إلى أساليب غير شرعية وغير برلمانية في محاولتها لاستعادة السيطرة. أغلبية القوات المسلحة، بمن في ذلك قطاع هام من الضباط، تساند الثورة. يخلق هذا صعوبات هائلة لقوى الثورة المضادة، ويخلق كذلك إمكانيات ملائمة لهؤلاء الذين يريدون إنجاز الثورة حتى النهاية.

لقد طرحنا أعلاه السؤال التالي: ما هي الثورة؟ لكن يتوجب علينا أيضا أن نتساءل: ما هي الدولة؟ لقد سبق للينين (بعد إنجلز) أن أجاب عن هذا السؤال قبل وقت طويل عندما قال أن الدولة هي، في آخر المطاف، جهاز من الرجال المسلحين (الجيش، البوليس، الخ). خلال المراحل العادية، تكون الدولة تحت سيطرة الطبقة السائدة. لكن خلال المراحل الاستثنائية، عندما يصل الصراع الطبقي إلى مستويات عالية، يمكن للدولة أن تكتسب درجة عالية من الاستقلالية، وترفع نفسها فوق المجتمع. هذا هو الوضع في فنزويلا اليوم.

الحجة الأخيرة لدى العصبويين تتعلق بالقوات المسلحة: "يجب ألا تكون لدينا أية علاقة مع ضباط الجيش." ليست هذه في الواقع حجة على الإطلاق، بل مجرد حكم مسبق غبي. الفكرة القائلة بأنه من المستحيل كسب الجيش إلى جانب الثورة فكرة حمقاء. لو أن هذا صحيح لما كان من الممكن حدوث أية ثورة في التاريخ. لكن الجيش مشكل من رجال ونساء يرتدون البذلة، وبما أنهم كذلك فإنه يمكن أن يتأثروا بما يحدث في المجتمع. (من الممل الاضطرار إلى التذكير بهذه الوقائع، لكن يبدو أنه يجب، في أيامنا هذه، التأكيد حتى على البديهيات).

خلال كل ثورة كبيرة، يتأثر الجيش بحركة الجماهير. ويميل إلى الانقسام على أسس طبقية. لو أن الأمر لم يكن كذلك لكانت الثورات عموما مستحيلة. الغليان الثوري لا يؤثر فقط على الجنود والضباط الصغار، بل يؤثر أيضا على جزء من كبار الضباط. وفي ظل ظروف خاصة ملائمة، يمكن أن يتأثر جزء كبير من الضباط ويرفضوا القتال من أجل النظام السابق، بل ويمكن أن ينتقلوا إلى جانب الثورة، كما كان الحال مع توخاشيفسكي الذي كان ضابطا في جيش القيصر.

علاوة على ذلك، حدث أكثر من مرة في التاريخ أن بدأت الحركة الثورية من فوق، عبر تمرد جزء من الضباط، قبل أن ينتقل إلى الجماهير. هذا ما يحصل خصوصا عندما يظهر النظام القديم كمجرد نظام فاسد ومفلس. تاريخ إسبانيا خلال القرن التاسع عشر مليء بالأمثلة عن مثل هذه الأحداث، المعروفة تحت اسم pronunciamientos [بالإسبانية في النص الأصلي: التمردات العسكرية -م-]، والتي كثيرا ما فتحت أبواب الثورة. إلا أن هناك أمثلة أكثر معاصرة عن نفس هذه السيرورة.

الثورة البرتغالية

الفكرة القائلة بأن الثورة الفنزويلية ثورة فريدة من نوعها فكرة خاطئة. لديها بطبيعة الحال مميزاتها الخاصة بها، لكنها أبعد عن أن تكون فريدة من نوعها. في الواقع جميع الثورات لديها مميزات مشتركة. لو لم يكن الأمر كذلك، لكان من المستحيل أن يتعلم المرء أي شيء مفيد من دراسة الثورات السابقة، لكن هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. قبل ثلاثين سنة بالضبط شهدنا، في البرتغال، مسلسل مشابه إلى حد كبير لما يحد الآن في فنزويلا.

بعد أكثر من نصف قرن من حكم النظام الفاشستي، عمل الشعب البرتغالي على قلب دكتاتورية كايتانو الممقوتة وانخرط في طريق الثورة. كيف بدأ هذا؟ لقد ب