| الماركسية وتحرر النساء |
|
|
| By Ana Muñoz and Alan Woods | |
| Wednesday, 12 March 2008 | |
|
« ليس من الممكن تغيير وضع المرأة تغييرا جذريا إلا إذا تم تغيير جميع الشروط الاجتماعية والعائلة والحياة المنزلية» (تروتسكي، النساء والعائلة، ص 45) لقد وصلت الرأسمالية إلى الباب المسدود. وتنيخ أزمة الرأسمالية العالمية بثقلها، بحدة خاصة، على كاهل النساء والشباب. في القرن التاسع عشر أشار ماركس إلى ميل الرأسمالية إلى تحقيق أرباح فاحشة من خلال استغلال النساء والأطفال. وقد كتب في المجلد الأول لكتابه الرأسمال: « شكل عمل النساء والأطفال، بالتالي، أول شيء بحث عنه الرأسماليون الذين استخدموا الآلات. هذه البدائل الجبارة للعمل والعمال تحولت فورا إلى وسائل من أجل زيادة عدد العمال الأجراء من خلال إدماج جميع أعضاء أسرة العامل، تحت السيطرة المباشرة للرأسمال، دون أي تمييز من حيث السن أو الجنس. لقد اغتصب العمل الإجباري لصالح الرأسمال المكان، ليس فقط من لعب الأطفال، بل أيضا من العمل الحر في المنزل ضمن حدود معتدلة لدعم الأسرة.» (كارل ماركس، الرأسمال، م 1، ص 394-395) في البلدان الرأسمالية المتقدمة أدى تغير أنماط الإنتاج ومحاولة الرأسماليين الدائمة للرفع من معدل الربح، إلى التزايد المستمر لتشغيل النساء والشباب الذين يتعرضون لأسوء أنواع الاستغلال، ويعملون، مقابل أجور أقل، في ظل شروط سيئة بحقوق قليلة أو منعدمة. في أمريكا وحدها التحقت 40 مليون امرأة بالقوة العاملة خلال الخمسين سنة الماضية؛ أما في أوروبا فهناك 30 مليون امرأة أخرى. سنة 1950، كانت ثلث مجمل النساء الأمريكيات اللائي بلغن سن العمل فقط، يمارسن عملا مأجورا؛ أما في السنة الماضية [1999] فقد صارت النسبة ثلاثة أرباع تقريبا. وتقول الإحصائيات أن 99% من النساء الأمريكيات الآن سيشتغلن، في مرحلة معينة من حياتهن، مقابل أجرة. إن عمل النساء، في حد ذاته، تطور تقدمي. إنه الشرط المسبق لتحرر النساء من الحدود الضيقة للبيت والأسرة البورجوازية، ومن أجل تطورهن الكامل والحر ككائنات بشرية وعضوات في المجتمع. لكن النظام الرأسمالي ينظر إلى النساء كمجرد مصدر سهل للعمل الرخيص وكجزء من "الجيش الاحتياطي للعمل" يتم سحبه متى كان هناك نقص في اليد العاملة في بعض قطاعات الإنتاج ونبذه مرة أخرى متى انتهت الحاجة إليه. رأينا هذا خلال كلتا الحربين العالميتين، عندما تم جر النساء إلى المصانع من أجل تعويض الرجال الذين تم استدعائهم إلى الجيش وبعد ذلك أعدن إلى منازلهن عندما انتهت الحرب. وقد تم تشجيع النساء مرة أخرى على الدخول إلى أماكن العمل خلال مرحلة الازدهار الرأسمالي، سنوات الخمسينات والستينات، عندما كان دورهن مشابها لدور العمال المهاجرين: خزان لليد العاملة الرخيصة. مؤخرا ارتفع عدد النساء العاملات من أجل ملء الثغرات في المسلسل الإنتاجي. لكن وبالرغم من كل الخطابات حول "عالم المرأة" و"سلطة الفتاة"، وبالرغم من جميع القوانين التي يزعمون أنها تضمن المساواة، تبقى النساء العاملات القسم الأكثر استغلالا واضطهادا داخل الطبقة العاملة. في الماضي، كيّف المجتمع الطبقي النساء لكي تبقين غير مباليات سياسيا، وغير منظمات، وفوق كل شيء، سلبيات، وبذلك يوفرن قاعدة اجتماعية للرجعية. لقد ارتكزت البورجوازية على هذه الشريحة من أجل البقاء في السلطة، وذلك باستعمال خدمات المؤسسة الدينية والصحافة (المجلات "النسائية"، الخ.). لكن هذه الوضعية تتغير مع تغير دور المرأة في المجتمع. لم تعد النساء تقبلن، على الأقل في البلدان الرأسمالية المتقدمة، بأن تبقين غارقات في الجهل وتخضعن بسلبية للدور التقليدي للمؤسسة الدينية والمطبخ والأطفال ("Kirche, Kücher, Kinder"). إن هذه ظاهرة تقدمية جدا، حبلى بالنتائج المستقبلية. بنفس الطريقة التي فقدت بها الرأسمالية الاحتياطي الاجتماعي للردة الرجعية التي كانت تمتلكها بين الفلاحين في الولايات المتحدة، واليابان وأوروبا الغربية، فإن النساء لم تبقين بعد احتياطيا للتخلف والرجعية كما كن في الماضي. سوف تؤدي أزمة الرأسمالية، مع هجماتها المتواصلة على النساء والعائلة، إلى المزيد من تجذر شرائح متوسعة باستمرار من النساء وستدفع بهن في الاتجاه الثوري. من المهم أن يفهم الماركسيون الإمكانيات الثورية العظيمة التي تختزنها النساء وأن يتخذوا الخطوات الضرورية للوصول إليهن. الإمكانيات الثورية لذا النساء أكثر مما هي لذا الرجال لأنهن مفعمات بالنشاط وغير ملوثات بسنوات الروتين المحافظ التي تميز غالبا الحياة النقابية "العادية". كل من سبق له أن شهد إضرابا للنساء يمكنه أن يحكي عن تصميمهن الصلب وشجاعتهن وحماستهن. إنها مهمة الماركسيين أن يدعموا كل الإجراءات الرامية إلى تشجيع النساء على الالتحاق بالنقابات والمشاركة فيها بحقوق متساوية ومسئوليات متساوية. الأممية الأولى لقد احتلت المسألة النسائية دائما مكانة مركزية في النظرية والممارسة الماركسيتين. لقد تبنت الأممية الأولى النضال من أجل الإصلاحات بمنتهى الجدية. سنورد فيما يلي استمارة لاستبيان ظروف العمل كتبها ماركس خلال نهاية شهر غشت 1866، وبعثها المجلس العام إلى جميع الفروع:
« 1) - القطاع الصناعي، الاسم. إن الشرط الأولي، الذي بدونه ستبقى جميع المحاولات لتحسين الظروف والتحرر عقيمة، هو تحديد طول يوم العمل. هناك حاجة إلى تعويض الطاقة الصحية والجسدية للطبقة العاملة، أي الجسد العظيم لكل أمة، وكذلك لتمكينهم من فرصة التطور الثقافي والعلاقات الاجتماعية والنشاط الاجتماعي والسياسي.» (Minutes of the General Council of the First International 1864-1866, pp. 342-3) لقد اقترحوا ثمانية ساعات كحد قانوني ليوم العمل. ألا يسمح بالعمل الليلي إلا في بعض المهن الاستثنائية أو فروع من مهن محددة في القانون. يجب أن يكون الاتجاه العام هو إلغاء كل أنواع العمل الليلي. وتواصل الوثيقة في القول: « تشير هذه الفقرة فقط إلى الأشخاص البالغين، رجالا ونساء، إلا أن هؤلاء الأخيرات يجب أن تستثنين بشكل تام من ممارسة جميع أشكال العمل الليلي أيا كان، وجميع أنواع العمل المضرة بجنسهن، أو تعريض أجسادهن للسموم وغيرها من الأعمال المؤذية. نعني بالأشخاص البالغين جميع الأشخاص الذين بلغوا أو تجاوزوا سن الثامنة عشرة. » (Ibid., p. 343.) من المعروف أن ابنة ماركس إلينور لعبت دورا نشيطا في العمل بين صفوف النساء العاملات في "المهن المتعرقة" ("sweated trades") في الطرف الشرقي للندن.وقد اقترحت في مقالة صحفية حول "التعرق في مكاتب الطباعة" أن تتشكل وحدة بين كل من هؤلاء اللائي يطبعن في بيوتهن وبين اللائي يطبعن في الورشات حيث، كما كتبت، « إذا كنت تريد أن تعيش بعملك يتوجب عليك أن تعمل في ظل ضغط عال وطيلة عدد كبير جدا من الساعات، تفوق ثمانية ساعات يوميا» (Yvonne Kapp, Eleanor Marx, The Crowded Years, 1884-98, p. 364.) كم تبدو هذه الأسطر آنية بالرغم من مرور مائة عام على كتابتها! لقد كان إضراب صانعات أعواد الثقاب في لندن، سنة 1888، نقطة انعطاف هامة، عندما ثارت هذه الشريحة الأكثر استغلالا وانسحاقا من الطبقة العاملة ضد مضطهديهن. كانت قوة العمل في مصنع بو (Bow) في الطرف الشرقي الفقير، مشكلة كلها من النساء، من فتيات في 13 سنة من عمرهن إلى أمهات ربات أسر كثيرة العدد. كانت الظروف البربرية للعمل هناك مشابهة لتلك التي يعانيها العمال في العالم الثالث الآن. كان استعمال الفسفور الأبيض في صنع أعواد الثقاب يسبب المرض الرهيب الذي يأكل عظام الفك، بسبب إجبارهن على أخذ طعامهن في الجو الملوث لمكان العمل. الأجور السيئة صارت أكثر سوءا بسبب نظام الاقتطاعات الجائر، التي كانت تفرض غالبا على أبسط الأخطاء، التي يتسبب الإرهاق في حدوثها. ونتيجة لتلك الاقتطاعات كان حاملو الأسهم يحصلون على إيرادات أرباح تزيد بـ 22%. قامت 672 امرأة، بعد تغلبهن على مخاوفهن، بتنظيم إضراب خلال شهر يوليوز 1888. بعد أسبوعين من ذلك وبفضل دعم النقابات وتنظيم حملة جمعت مبلغا كبيرا يساوي 400 دولار، حصلت تلك النساء على تنازلات كبيرة. ونتيجة لذلك، نظمت تلك النساء الغير ماهرات نقابة صناع أعواد الثقاب، التي هي أكبر نقابة مشكلة من النساء والفتيات في إنجلترا. لقد كانت تلك خطوة عظيمة إلى الأمام لاندلاع حركة النقابية الجديدة ("New Unionism") في بريطانيا عندما، صار العمال الغير مهرة، لأول مرة، منظمين داخل النقابات. يقدم هذا دروسا هامة لمرحلتنا الحالية، حيث، وكما كان الحال قبل 100 سنة، صار عدد كبير من العمال الغير مهرة والنصف مهرة منظمين، ونسبة عالية منهم نساء. البلاشفة والمسألة النسائية لقد تعامل البلاشفة دائما بجدية كبيرة مع مسألة العمل الثوري بين النساء العاملات. ولقد أعطى لينين، خصوصا، أهمية عظيمة لهذه المسألة، خاصة خلال مرحلة النهوض الثوري ما بين سنة 1912 و1914، وطيلة الحرب العالمية الأولى. كانت تلك هي الفترة التي بدأ فيها تخليد اليوم الأممي للمرأة (8 مارس) بمظاهرات حاشدة للنساء العاملات. ليس من المصادفة أن ثورة فبراير (مارس حسب التقويم الجديد) اندلعت نتيجة اضطرابات صاحبت يوم المرأة، عندما تظاهرت النساء ضد الحرب وارتفاع كلفة المعيشة. بدأ الاشتراكيون الديمقراطيون عملا دءوبا بين النساء العاملات طيلة فترة النهوض الثوري مابين 1912 و1914. نظم البلاشفة أول اجتماع لتخليد اليوم الأممي للمرأة سنة 1913 وأصدروا جريدة نسائية، رابوتنيتسا (المرأة العاملة)، سنة 1914، وقد ظهر العدد الأول منها بتزامن مع اليوم الأممي للمرأة، عندما نظم الحزب مرة أخرى مظاهرات. تعرضت تلك الجريدة، وباقي الجرائد العمالية الأخرى، للمنع شهر يوليوز. لقد كانت الجريدة البلشفية تلقى الدعم المالي من جانب عاملات المصانع وكانت توزع من طرفهن في أماكن العمل. كانت تتحدث عن ظروف عمل النساء العاملات ونضالاتهن في روسيا وفي الخارج، وكانت تشجع النساء على الالتحاق بنضال العمال الذكور. حثتهن على نبذ الحركة النسوانية التي شكلتها النساء البورجوازيات في أعقاب ثورة 1905. كان العمل الثوري الذي كان الاشتراكيون الديمقراطيون في روسيا يقومون به خلال الحرب العالمية الأولى يواجه مصاعب هائلة. كان الحزب والنقابات محظورين. ومع مطلع سنة 1915 بدأت الحركة تتعافى من الضربات التي تلقتها خلال الأشهر الأولى للحرب. ومن بين القطاعات التي بدأت تتحقق فيها مكاسب هامة نجد العمل بين النساء اللائي تم إدماجهن في قوة العمل الصناعية بأعداد كبيرة. مع اندلاع الحرب، صارت النساء تشكلن ثلث عدد العمال الصناعيين ونسبة أعلى من هذه في قطاع صناعة النسيج. وقد تزايدت هذه النسبة أكثر فأكثر خلال الحرب مع إرسال الرجال لأداء الخدمة العسكرية. لقد ساءت أوضاع النساء خلال الحرب مع تحول العديد منهن إلى المعيل الوحيد لأسرهن وصارت المواد الأساسية أكثر ندرة وأبهظ ثمنا. شاركت النساء العاملات في العديد من الإضرابات والمظاهرات ضد الصعوبات الاقتصادية التي سببتها مشاركة روسيا في الحرب. بينما ضل العنصر الذكوري مهيمنا بشكل كبير على تشكيلة الحزب البلشفي (شكلت النساء خلال المؤتمر السادس للحزب البلشفي، شهر غشت 1917، حوالي 6 % من المندوبين)، فقد بدأ العمل على كسب النساء العاملات بأعداد هائلة إلى الحزب مع اندلاع انتفاضة 1912- 1914. نقتطف في ما يلي استشهادا من منشور تحت عنوان: "إلى النساء العاملات في كييف"، الذي وزعه البلاشفة في كييف، أوكرانيا، خلال يوم المرأة الأممي 08 مارس 1915. ويعطينا المنشور فكرة عن كيف طرح البلاشفة المسألة النسائية في منشوراتهم التحريضية العمومية. لقد ربط ندائهم اضطهاد المرأة بمعانات العمال الرجال، وببرنامج لتحرر الشعب العامل كله: « إن وضع المرأة يرثى له، مثله مثل وضع أغلبية العمال، لكنه أكثر سوءا. إنها تشتغل في المعمل وفي الورشة لصالح رب العمل الرأسمالي، وتشتغل في البيت لصالح العائلة. « آلاف العاملات تبعن قوة عملهن للرأسمال؛ تكدح الآلاف منهن في العمل المأجور؛ وتعاني الآلاف ومئات الآلاف منهن تحت نير الاضطهاد الأسري والاجتماعي. ويبدو الحال للأغلبية الساحقة من النساء العاملات وكأنه يجب أن يكون على هذا الشكل. لكن هل حقا لا تستطيع المرأة العاملة أن تأمل في مستقبل أفضل، وأن هذا المصير رهنها لحياة كاملة من العمل والعمل فقط، دون توقف ليلا ونهارا؟ « أيتها الرفيقات، أيتها النساء العاملات! إن رفاقنا الرجال يكدحون معنا. مصيرهم ومصيرنا واحد. إلا أنهم تمكنوا منذ وقت بعيد من إيجاد الطريق الوحيد الذي يقود إلى حياة أفضل: إنه طريق النضال العمالي المنظم ضد الرأسمال، طريق النضال ضد جميع أنواع الاضطهاد والشرور والعنف. أيتها النساء العاملات، ليس هناك من طريق آخر أمامنا. إن مصالح العمال والعاملات متشابهة، إنها نفس المصالح. فقط في خضم نضال موحد إلى جانب العمال الرجال، فقط من خلال الالتحاق بالمنظمات العمالية، أي الحزب الاشتراكي الديمقراطي والنقابات والأندية العمالية والتعاونيات العمالية، سنتمكن من الحصول على حقوقنا وتحقيق حياة أفضل.» (Lenin's Struggle for a Revolutionary International, p. 268) وضع النساء بعد ثورة أكتوبر كانت نساء روسيا القيصرية، من وجهة نظر القانون، مجرد إماء لأزواجهن. وحسب القانون القيصري: « يجب على المرأة أن تطيع زوجها، باعتباره رأس العائلة، وأن تعامله بحب واحترام وطاعة مطلقة، وأن تقدم له كل الخدمات، وتعبر له عن كل امتنان، باعتبارها زوجة.» وقد أكد برنامج الحزب الشيوعي، سنة 1919، أن: « مهمة الحزب في الوقت الحالي هي في المقام الأول العمل في حقل الأفكار والتعليم من أجل أن ندمر، بكل ما في الكلمة من معنى، جميع مخلفات اللامساواة والإجحاف، خاصة بين صفوف الشريحة المتخلفة من البروليتاريا والفلاحين. ودون أن يحصر نفسه في مجرد المساواة الشكلية للنساء، يكافح الحزب من أجل تحررهن من الأعباء المادية للعمل البيتي القديم عبر تعويضه بالمساكن الشعبية والمطاعم العمومية ومؤسسات غسل الملابس ودور الحضانة، الخ.» لكن القدرة على تطبيق هذا البرنامج كانت رهينة بالمستوى العام للمعيشة والثقافة في المجتمع، كما سبق لتروتسكي أن شرح في مقاله: "من العائلة القديمة إلى العائلة الجديدة"، الذي صدر في جريدة البرافدا، يوم 13 يوليوز 1923، حيث قال: « مرة أخرى لا يمكن الفصل من حيث الجوهر بين التحضير المادي لشروط حياة جديدة وعائلة جديدة، وبين العمل العام من أجل البناء الاشتراكي. يجب على الدولة العمالية أن تصبح أغنى لكي يصير من الممكن بشكل جدي معالجة مسألة التعليم العمومي للأطفال وتخليص الأسرة من أعباء المطبخ والغسيل. من المستحيل تشريك العمل البيتي الأسري وتعميم التعليم العمومي على الأطفال دون تحسن واضح لاقتصادنا ككل. نحن في حاجة إلى المزيد من الإجراءات الاقتصادية الاشتراكية. لن يمكننا، إلا في ظل تلك الشروط، أن نحرر الأسرة من الأعمال والاهتمامات التي تسحقها الآن وتفككها. يجب أن تنجز مهمة غسل الملابس في مؤسسات غسل ملابس عمومية، وأن تنجز مهمة تحضير الطعام من طرف مطاعم عمومية وأن تنجز مهمة الخياطة من طرف ورشات عمومية. يجب أن يتعلم الأطفال على يد معلمين عموميين جيدين يتمتعون بالكفاءة للقيام بهذا العمل. عندها ستصبح العلاقة بين الزوج والزوجة متحررة من كل العوامل الخارجية والعرضية، وسيتوقف أحدهما عن امتصاص حياة الآخر. عندها أخيرا سيتم تشييد صرح المساواة الحقيقية. ستكون العلاقة مبنية على قاعدة الحب المتبادل. وستكسب، لهذا السبب خصوصا، استقرارا داخليا، لن يكون نفسه لدى الجميع، بطبيعة الحال، بل غير إلزامي لأي كان.» وضعت الثورة البلشفية الأساس من أجل التحرر الاجتماعي للنساء، وبالرغم من أن السياسة الستالينية الرجعية شكلت تراجعا جزئيا، فإنه لا يمكن إنكار حقيقة أن النساء في الاتحاد السوفييتي حققن خطوات جبارة إلى الأمام في النضال من أجل المساواة. لم تبقى النساء مجبرات على العيش مع أزواجهن أو مرافقتهم إذا ما أدى تغيير العمل إلى تغيير البيت. لقد أعطين حقوقا متساوية ليكن ربات البيت وحصلن على أجر متساو. لقد أعطي اهتمام كبير للدور الإنجابي الذي تقوم به النساء وتم إصدار قوانين حضانة خاصة تمنع ساعات العمل الطويلة والعمل الليلي وسنت إجازة ولادة مدفوعة الأجر ومراكز العناية بالأسرة ورعاية الأطفال. تم الاعتراف قانونا بالحق في الإجهاض سنة 1920، وتم تسهيل إجراءات الطلاق وتشريع الزواج المدني. وقد تم أيضا إلغاء مفهوم الأطفال الغير شرعيين. وبتعبير لينين: « إننا لم نبقي، بالمعنى الحرفي للكلمة، أي حجر على حجر من القوانين الحقيرة التي وضعت النساء في حالة أدنى بالمقارنة مع الرجل.» تم تحقيق تقدم مادي في طريق تسهيل الانخراط الكلي للنساء في جميع مجالات المجتمع، والحياة الاقتصادية والسياسية: توفير وجبات غذائية مجانية في المدارس، الحليب للأطفال ومعونات خاصة في ما يتعلق بالطعام والملبس للأطفال المحتاجين، ومراكز الاستشارة الطبية أثناء الحمل ومستشفيات الولادة ودور الحضانة وغيرها من الخدمات. كتب تروتسكي في الثورة المغدورة ما يلي: « لقد برت ثورة أكتوبر بوعودها المتعلقة بالمرأة. لم تكتف السلطة الجديدة بمنح المرأة جميع الحقوق السياسية والقانونية على قدم المساواة مع الرجل، بل الشيء الأكثر أهمية هو أنها قامت بكل ما بوسعها، وفي جميع الحالات، أكثر بما لا يقاس مما قام به أي نظام آخر على الإطلاق، من أجل أن تضمن لها الدخول إلى كل أشكال العمل الاقتصادي والثقافي. لكن حتى أقوى الثورات عاجزة، مثلها مثل البرلمان البريطاني الـ "كلي القدرة"، عن جعل المرأة كائنا مشابها للرجل. أو بمعنى آخر عاجزة عن أن توزع بينها وبين رفيقها متاعب الحمل والولادة والرضاعة وتربية الأطفال. لقد بذلت الثورة جهدا بطوليا من أجل تدمير ما يسمى بـ "البيت العائلي" اﻵمن. تلك المؤسسة القديمة الفاسدة والراكدة التي حكم فيها على نساء الطبقات الكادحة بالأشغال الشاقة منذ الطفولة حتى الموت. كان من المفترض استبدال الأسرة، من حيث هي مؤسسة صغيرة مغلقة، بنظام مكتمل للخدمات والتجهيزات الاجتماعية: مراكز أمومة، حضانات، حدائق للأطفال، مطاعم، مؤسسات تنظيف الثياب، مستوصفات، مستشفيات، مراكز للنقاهة، منظمات رياضية، دور سينما ومسارح، الخ. إن الامتصاص الكامل لمهام تدبير الشؤون المنزلية التي تقوم به الأسرة من طرف مؤسسات المجتمع الاشتراكي، بغية توحيد كل الأجيال برابطة التضامن والتعاون المتبادل، كان سيحقق للمرأة، وبالتالي للزوجين المتحابين، تحررا حقيقيا من القيود الأبدية.» (تروتسكي، الثورة المغدورة [فصل: الأسرة، الشبيبة، الثقافة، الترميدور في الأسرة]) الأممية الشيوعية سيرا على خطى الحزب البلشفي، أعطت الأممية الشيوعية أهمية عظيمة للعمل بين النساء وأعطت تعليماتها للأحزاب الشيوعية بأن « توسع نفوذها إلى أوسع شرائح الجماهير النسائية من خلال تنظيم أجهزة خاصة داخل الحزب وانتهاج طرق خاصة للتواصل مع النساء، بهدف تحريرهن من تأثير التصور البورجوازي للعالم أو تأثير الأحزاب التوفيقية وتعليمهن لكي يصبحن مكافحات حازمات من أجل الشيوعية وبالتالي من أجل تحرر النساء الكامل.» لم تكن دعوة الأممية الشيوعية إلى إقامة "أجهزة خاصة" لغرض العمل بين النساء، تعني إطلاقا الرغبة في خلق منظمات نسائية مستقلة. كانت مثل هذه الفكرة ستكون أكثر فظاعة من فكرة خلق منظمات ثورية مستقلة للقوميات المضطهدة كاليهود والسود، الخ، وهو الشيء الذي ناضل ضده دائما كل من لينين وتروتسكي. في الحقيقة نصت الموضوعة بشكل واضح على أن « المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية يعارض بشكل حازم جميع أنواع الجمعيات النسائية المستقلة داخل الأحزاب والنقابات أو المنظمات النسائية الخاصة» (Theses, Resolutions and Manifestos of the First Four Congresses of the Third International, p. 217) المعنى الذي كانوا يرمون إليه كان هو الحاجة إلى مجموعات خاصة من الرفاق/ الرفيقات المتخصصين/المتخصصات والماهرين/الماهرات في القيام بهذا النوع من العمل، من أجل القيام بالمهام التقنية حول نشر الدعاية والمنشورات، الخ. وعموما تنظيم هذا العمل. وقد تم التأكيد أيضا على أنه يجب على مثل هذه المجموعات أن لا تشتغل باستقلالية عن الأجهزة الحزبية المنتخبة، بل يجب عليها العمل تحت رقابتها. وقد تم تحديد الأهداف الرئيسية لهذا العمل على الشكل التالي: « 1) – تعليم النساء الأفكار الشيوعية وكسبهن إلى صفوف الحزب؛ 2) - النضال ضد التحيز الممارس ضد النساء من طرف جماهير البروليتاريين الرجال، والرفع من وعي العمال الرجال والنساء بأن لهم مصالح مشتركة؛ 3) - تقوية عزيمة النساء العاملات باستقطابهن إلى المشاركة في جميع أنواع الصراع الاجتماعي وتشجيع نساء البلدان البورجوازية على المشاركة في النضال ضد الاستغلال الرأسمالي، وفي النضالات الجماهيرية ضد غلاء المعيشة وضد أزمة السكن والبطالة وغيرها من المشاكل الاجتماعية، وتشجيع نساء جمهوريات الاتحاد السوفييتي على أن يشاركن في بناء الشخصية الشيوعية والطريقة الشيوعية في الحياة؛ 4) – من أجل أن يوضع على جدول أعمال الحزب ويتضمن في المقترحات التشريعية المسائل التي تهم مباشرة تحرر النساء، والتأكيد على تحررهن والدفاع عن مصالحهن كمنجبات للأطفال؛ 5) - شن نضال مخطط له بشكل جيد ضد سلطة التقاليد، والعادات البورجوازية والأفكار الدينية، وتنظيف الطريق أمام ظهور علاقات سليمة وأكثر تناغما بين الأجناس، وضمان الحيوية الجسدية والأخلاقية للشعب العامل.» (Ibid., p. 218) لم تكن الأممية الشيوعية في ظل لينين وتروتسكي لتقبل أبدا باتخاذ موقف لا مبالي أو رافض اتجاه هذا الحقل الحيوي من حقول العمل الثوري. لقد أكد المؤتمر الثالث للأممية الشيوعية على أنه « بدون المشاركة النشيطة لأوسع جماهير البروليتاريات والنصف بروليتاريات، لا يمكن للبروليتاريا لا أن تحسم السلطة ولا أن تحقق الشيوعية. وفي نفس الآن لفت المؤتمر مرة أخرى انتباه جميع النساء إلى واقع أنه لا يمكن تحقيق الاعتراف بحقوق المرأة باعتبارها إنسان وتحقيق تحررها الحقيقي بدون دعم الحزب الشيوعي لجميع المشاريع التي تقود إلى تحرر النساء.» (Ibid., pp. 213-4.) وهكذا أكدت الأممية الشيوعية في ظل لينين وتروتسكي، منذ البداية، على الدور المركزي للمسألة النسائية، لكنها: أ) قاربت المسألة بشكل حازم من وجهة نظر ثورية وطبقية وب) شرحت أنه لا يمكن تحقيق التحرر الحقيقي للنساء إلا في ظل الاشتراكية. لقد أكدت الأممية الشيوعية على ضرورة إدماج العمل النسائي في العمل الحزبي العام، وليس عزله كشيء منفصل: « من أجل تقوية الروح الرفاقية بين العاملات والعمال، من المستحب عدم تشكيل فصول دراسية أو مدارس خاصة للنساء الشيوعيات، بل يجب على جميع مدارس الحزب العامة أن تتضمن بكل تأكيد فصلا عن طرق العمل بين النساء.» (Ibid., p. 227.) خلال المؤتمر الرابع، المؤتمر اللينيني الأخير للأممية الشيوعية، تم القيام بتقييم مختصر، أشار إلى الأهمية العظيمة التي يكتسيها هذا العمل بالنسبة إلى أممية ثورية (وقام بإشارة خاصة إلى مشكلة النساء في بلدان الشرق المتخلفة والمستعمرة) لكنه أوضح أيضا أن هذا العمل لم ينجز بما يكفي من الحيوية من طرف بعض الفروع: « أعطى نشاط سكرتارية النساء في الشرق أيضا الدليل على ضرورة وقيمة وجود منظمات خاصة من أجل العمل الشيوعي بين صفوف النساء. لقد قامت سكرتارية النساء في الشرق بعمل هام وناجح في ظل ظروف جديدة وغير معتادة. لكن مع الأسف، على المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية أن يعترف بأن بعض الفروع إما فشلت كليا أو أنها قامت بشكل جزئي بمسئوليتها في إعطاء دعم ثابت للعمل الشيوعي بين النساء. إن تلك الفروع، وإلى يومنا هذا، إما أنها فشلت في اتخاذ إجراءات لتنظيم النساء الشيوعيات داخل الحزب، أو أنها فشلت في خلق منظمات حزبية قادرة على انجاز العمل بين جماهير النساء وبناء الصلات معهن. « يؤكد المؤتمر الرابع بإلحاح على الأحزاب المعنية أن تصحح تلك الأخطاء بأسرع وقت ممكن. إنه يدعو كل فروع الأممية الشيوعية على القيام بكل ما تستطيعه لتشجيع العمل الشيوعي بين النساء، بالنظر إلى الأهمية العظيمة لهذا العمل. لا يمكن تحقيق الجبهة البروليتارية الموحدة بدون المشاركة النشيطة والواعية للنساء. وفي ظل ظروف معينة، إذا ما توفرت علاقات صحيحة ووطيدة بين الأحزاب الشيوعية والنساء العاملات، يمكن للنساء أن يصبحن رائدات للجبهة البروليتارية الموحدة وللحركات الثورية الجماهيرية.» (Ibid., p. 326) دور الستالينية قال الاشتراكي الطوباوي الفرنسي العظيم، فورييه، بحكمة أن وضع المرأة هو التعبير الأوضح عن الطبيعة الحقيقية لنظام اجتماعي ما. وبينما عملت الثورة البلشفية على تحرير النساء، أدت الردة الرجعية الستالينية إلى انقلاب عنيف في السياسة اتجاه النساء والعائلة. تم القضاء على العديد من المكتسبات التي حققتها الثورة. تم منع الحق في الإجهاض وجعل الطلاق أكثر فأكثر صعوبة إلى أن أصبح إجراءا قضائيا باهظ التكاليف. بدأ يتم اعتقال العاهرات، في حين أن السياسة البلشفية كانت تتمثل فقط في اعتقال مالكي بيوت الدعارة وحدهم وفضح الرجال الذين يستأجرون العاهرات، وتوفير تكوين مهني طوعي للعاهرات. تم تقليص ساعات عمل مراكز دور |

