أربعون سنة بعد موت تشي غيفارا Print E-mail
By Alan Woods   
Wednesday, 23 April 2008

تشي الأيقونة؟

كتب لينين في الدولة والثورة: « إن ما يحدث الآن لنظرية ماركس، سبق أن حدث مرارا عبر التاريخ لتعاليم غيره من المفكرين الثوريين وقادة الطبقات المظلومة المناضلين من أجل التحرر. فأثناء حياة الثوريين العظام تدأب الطبقات الظالمة على ملاحقتهم، وتستقبل تعاليمهم بغيظ وحشي أبعد الوحشية وحقد جنوني أبعد الجنون، وبأشد حملات الافتراء كذبا ووقاحة. وبعد مماتهم تبذل المحاولات لتحويلهم إلى أيقونات لا ضرر منها، ووضعهم في إطار القانون، إن صح القول، وإحاطة أسمائهم إلى حد ما بهالة من التبجيل "تعزية" للطبقات المظلومة وبهدف تضليل هذه الطبقات، بينما - في الوقت نفسه - يسلب من النظرية الثورية جوهرها، ويثلم نصلها الثوري وتبتذل تعاليمها.»

لقد صار غيفارا بعد موته أيقونة الحركات الاشتراكية الثورية ورمزا للثقافة الشعبية المعاصرة في العالم بأسره. وأصبحت صورة تشي، التي التقطها له آلبيرتو غوردا، شهيرة تظهر على الأقمصة ورايات الاحتجاج في كل أنحاء العالم. وهكذا أصبح تشي أيقونة عصرنا الحالي. بعد وفاة لينين، عملت الطغمة الحاكمة في الاتحاد السوفييتي، بقيادة ستالين وزينوفييف، على خلق بدعة تقديس شخصيته. فتم تحنيط جثته، ضدا على رغبة كروبسكايا، ووضعت في مكان عام في متحف بالساحة الحمراء. وقد علقت كروبسكايا على ذلك في ما بعد قائلة: « لقد ناضل فلاديمير إليتش طوال حياته ضد الإيقونات، وهاهم قد حولوه الآن إلى أيقونة.»

شهر نوفمبر من سنة 2005، كتبت الصحيفة الألمانية Der Spiegel مقالا حول "الثوريين المسالمين" الأوروبيين الذين تصفهم بورثة غاندي وغيفارا [!]. هذا تشويه فاضح للحقيقة. يجب علينا أن نعمل على "حماية تشي غيفارا" من هؤلاء الناس الذين ليست لديهم أية علاقة بالماركسية والصراع الطبقي والثورة الاشتراكية، والذي يريدون رسم صورة مغلوطة تماما لتشي وتحويله إلى قديس ثوري، أو بورجوازي صغير رومانسي، أو فوضوي، أو مسالم من أتباع غاندي أو أي شيء من هذا القبيل.

إن موقفنا من هذا الثوري البارز يشبه موقف لينين من روزا لكسمبورغ. ففي نفس الوقت الذي حافظ فيه على نقد حازم لأخطائها، بقي يوليها مكانة عالية كمناضلة ثورية وأممية. هذا ما كتبه بخصوص روزا، مدافعا عن ذكراها ضد الإصلاحيين والمناشفة:

« سنرد على هذا باقتباس جملتين من حكمة روسية، "يمكن للنسور أحيانا أن تطير أدنى من الدجاج، لكن لا يمكن للدجاج أبدا أن ترتفع أعلى من النسور". لقد كانت [روزا] بالرغم من أخطائها [...] وستبقى نسرا بالنسبة إلينا. ولن يعمل الشيوعيون في العالم بأسره على تخليد ذكراها فقط، بل ستنفع سيرتها وأعمالها الكاملة كمؤلفات نافعة لتدريب العديد من أجيال الشيوعيين في كل أنحاء العالم. "لقد صارت الاشتراكية الديمقراطية، ابتدءا من شهر غشت 1914، جثة نتنة" – هذا التصريح سوف يبقي اسم روزا ليكسمبورغ شهيرا في تاريخ حركة الطبقة العاملة الأممية. وطبعا سوف تبقى الدجاجات من قبيل بول ليفي وشيدمان وكاوتسكي وجميع أخواتهن، في الفناء الخلفي للحركة العمالية، بين أكوام الروث، تثرثرن حول الأخطاء التي ارتكبتها هذه الشيوعية العظيمة». (Collected Works, Vol. 33, p. 210, Notes of a Publicist, Vol. 33)

حياته المبكرة

آرنيستو غيفارا دي لا سيرنا (ولد يوم 14 يونيو 1928، توفي يوم 9 أكتوبر 1967)، الشهير بتشي غيفارا، كان مناضلا ماركسيا ثوريا، أرجنتيني المولد لكنه أممي حتى النخاع. أصوله شديدة الاختلاط، مثله في ذلك مثل أغلب شعوب أمريكا اللاتينية. كلمة غيفارا (Guevara) هي الصيغة الإسبانية لنطق غيبارا (Gebara) الباسكية، والتي تعني "من إقليم آرابا (أو آلافا) الباسكي". أحد أسمائه العائلية هو لينش (Lynch)، وهو اسم ايرلندي (كانت أسرة لينش أحد القبائل الـ 14 الغالية). امتزاج الدماء الباسكية بالدماء الايرلندية يشكل بطريقة ما خليطا شديد الانفجار!

ولد في أسرة تنتمي إلى البورجوازية المتوسطة، لم يعاني الفقر والجوع الذي عاناه الكثير من أطفال أمريكا اللاتينية الآخرين. لكنه عانى من مشاكل صحية. لقد ارتبطت روحه المغامرة والمتمردة بطبيعتها بواقع كونه أصيب منذ سنواته المبكرة بالربو. لقد قضى كل حياته يحاول التغلب على هذا المشكل من خلال التعمد على دفع نفسه إلى أقصى حدوده. يمكننا أيضا أن نرجع تصميمه الفولاذي على التغلب على جميع الصعاب إلى هذا الواقع.

مشاعره الإنسانية وجهته في البداية إلى حقل الطب. حصل على شهادة في الطب. كان تخصصه هو الأمراض الجلدية وكان مهتما على وجه الخصوص بمرض الجذام. خلال تلك الفترة من حياته لم تكن آفاقه أوسع من آفاق أغلبية شباب الطبقة الوسطى الآخرين: العمل بجد، الحصول على شهادة في الطب، الحصول على عمل جيد، ربما القيام بأبحاث أصيلة في علم الطب وتطوير المعرفة البشرية من خلال بعض الاكتشافات الهامة. ولقد كتب عن هذه المرحلة من حياته قائلا:

« عندما بدأت دراسة الطب كانت أغلب المفاهيم التي أتبناها الآن كثوري غائبة عن مجال مثلي العليا. كنت أريد مثلي مثل الجميع أن أصبح ناجحا. كنت أحلم بأن أصير باحثا شهيرا، من خلال العمل بجد من أجل اكتشاف شيء ما يمكنه، بالتأكيد، أن يستخدم في مصلحة البشرية، لكن كل شيء كان آنذاك متعلقا بالمجد الشخصي. لقد كنت، مثلي مثل الجميع، نتاجا لمحيطي.»

لقد كان ارنيستو، مثله مثل أغلب الشباب، يحب السفر. لقد تملكه ما يطلق عليه الألمان اسم: "Wanderlust" [عشق السفر]. كتب قائلا: "أعلم الآن وبمصادفة لا تصدق أنني محكوم بالترحال". لكنه كان يجهل تماما إلى أية نقطة سيصل في سفره وفي أي اتجاه سيذهب. لا شك أنه كان سيصبح طبيبا بارعا، لكن الـ"Wanderlust" استحوذ عليه. ارتبط بالسفر ولم يعد إلى الأرجنتين طيلة سنوات. دفعت به طبيعته المغامرة إلى القيام برحلة طويلة عبر أمريكا الجنوبية على متن دراجة نارية.

بدت العلاقة بين الطب ومثله العليا السياسية من خلال خطاب ألقاه في سان بابلو بالبيرو بمناسبة عيد ميلاده الرابع والعشرين. قال:

« بالرغم من كوننا أقل من أن نكون ناطقين باسم قضية بكل هذا النبل، نعتقد، وهذه الرحلة لم تزد إلا في تأكيد هذا الاعتقاد، أن تقسيم أمريكا إلى أوطان غير مستقرة ووهمية ليس سوى خدعة. نحن نشكل عرقا مولّدا [في النص الأصلي استعمل مصطلح: mestizo أي ولد من أبوين أحدهما أوربي والآخر هندي أميركي -المترجم-] واحدا، نمتلك تشابهات إثنوغرافية ملحوظة، من المكسيك حتى مضايق ماجلان. وهكذا وفي محاولة للتخلص من كل أشكال النزعة الإقليمية الضيقة الأفق، اقترحت شرب نخب البيرو وأمريكا موحدة» (Motorcycle Diaries, p.135)

بداية الاستيقاظ

كانت هذه الجولة بداية رحلة طويلة فتحت عينه شيئا فشيئا على حقيقة العالم الذي يعيش فيه. دخل، للمرة الأولى في حياته، في علاقة مباشرة مع جماهير القارة المفقرة والمضطهدة. رأى أساسا الظروف البئيسة التي يعيش فيها أغلبية جماهير الشعب. وجود هذا الفقر المدقع بالرغم من كل الثروات الطبيعية والجمال الذي تحتوي عليه هذه القارة الرائعة ترك أثرا عميقا في عقله الشاب.

لقد حركت هذه التناقضات طبيعته العاطفية والحساسة ودفعته إلى البحث في أسبابها. لقد كان تشي يتمتع دائما بعقلية حادة ومنقبة. نفس ذلك الحماس الذهني الذي أبان عنه في دراسته للطب انتقل الآن إلى دراسة المجتمع. لقد تركت التجارب والملاحظات التي اكتسبها خلال هذه الرحلات تأثيرا دائما على وعيه.

فجأة صارت كل طموحاته السابقة إلى الارتقاء الشخصي مجرد أمور تافهة وعديمة الأهمية. إذ أن الطبيب يمكنه أن يعالج مريضا واحدا، لكن من يمكنه أن يعالج مرض الفقر والأمية والتشرد والاضطهاد؟ لا يمكن للمرء أن يعالج داء السرطان بحبة الأسبرين، كما لا يمكن للمرء أن يعالج العلل الكامنة للمجتمع بالمسكنات وأنصاف الحلول.

شيئا فشيئا بدأت تنضج وتتطور الأفكار الثورية في ذهن هذا الشاب. لم يصر فورا مناضلا ماركسيا. لقد فكر طويلا وعميقا وقرأ بنهم: وهي العادة التي لم تفارقه طيلة حياته. بدأ يدرس الماركسية. تدريجيا، بشكل غير ملحوظ، لكن بشكل حتمي، صار مقتنعا أنه لا يمكن حل مشاكل الجماهير إلا بالطرق الثورية.

غواتيمالا

عرف تحوله إلى الوعي الماركسي دفعة حاسمة عندما ذهب إلى غواتيمالا للتعرف على الإصلاحات التي طبقها هناك الرئيس خاكوبو أربينيث غوثمات. خلال شهر دجنبر من سنة 1953 وصل تشي إلى غواتيمالا عندما كان غوثمان يترأس حكومة إصلاحية، تحاول انجاز إصلاح زراعي والقضاء على نظام اللاتيفونديات.

حتى قبل وصوله إلى غواتيمالا كان غيفارا قد صار ثوريا مقتنعا، بالرغم من أن نظرته كانت لا تزال في طور التشكل. يتبين هذا من خلال الرسالة التي كتبها في كوسطا ريكا، يوم 10 دجنبر 1953، والتي يقول فيها: "En Guatemala me perfeccionaré y lograré lo que me falta para ser un revolucionario auténtico" ("في غواتيمالا سأطور نفسي وسأكتسب كل شيء لا زال ينقصني لكي أصير ثوريا حقيقيا": غيفارا لينش، أرنيستو.) Aquí va un soldado de América. Barcelona: Plaza y Janés Editores, S.A., 2000, p. 26

لكن شركة United Fruit Company ووكالة المخابرات الأمريكية كانت لديهما أفكار أخرى. فقد نظما محاولة انقلاب قادها كارلوس كاستيلو أرماس، بدعم من القوات الجوية الأمريكية. فالتحق غيفارا فورا بميليشيا نظمتها الشبيبة الشيوعية، لكنه أصيب بالإحباط من لا فعالية المجموعة. بعد الانقلاب بدأت حملة الاعتقالات فاضطر تشي إلى البحث عن ملجأ له في قنصلية الأرجنتين حيث بقي إلى حين حصوله على ترخيص مرور-آمن. فقرر عندها الذهاب إلى المكسيك.

تجربته مع الانقلاب الممول من طرف الأمريكيين ضد آربينيث رسخت لديه أفكاره وقادته إلى تكوين بعض الخلاصات. فقد ركزت فكر تشي غيفارا على الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، كقوة إمبريالية هي حصن كل القوى الرجعية في القارة. وأية حكومة تحاول تغيير المجتمع ستواجه حتما معارضة شديدة من عدو قوي وقاس.

بعد انتصار الانقلاب الموجه من طرف وكالة المخابرات الأمريكية، وجد تشي نفسه مجبرا على الهروب إلى المكسيك، حيث التقى، سنة 1956، بالحركة الثورية 26 يوليوز التي يقودها فيديل كاسترو، والتي كانت منخرطة في صراع شرس ضد دكتاتورية الجنرال فولخينشيو باتيستا في كوبا. منذ لقائهما الأول نسج الرجلان علاقة راسخة بينهما. كان كاسترو في حاجة إلى رجال يمكن الاعتماد عليهم وكان تشي في حاجة إلى منظمة وقضية يناضل من أجلها.

كان تشي قد رأى بأم عينيه العجز المطلق الذي تعاني منه الإصلاحية ورسخ هذا لديه القناعة بأنه لا يمكن تحقيق الاشتراكية سوى بالكفاح المسلح. وصل إلى مدينة مكسيكو خلال بدايات شهر شتنبر من سنة 1954، ودخل في علاقة مع بعض المنفيين الكوبيين الذين كان قد التقاهم في غواتيمالا. خلال شهر يونيو 1955، التقى أولا براؤول كاسترو، بعدها التقى أخاه فيديل، الذي كان قد استفاد من عفو وأطلق سراحه من سجن في كوبا، حيث كان معتقلا بعد فشل عملية الهجوم على ثكنات المونكادا.

التحق تشي فورا بحركة 26 يوليوز التي كانت تخطط لإسقاط دكتاتورية فولخينشيو باتيستا. في البداية كان من المفترض أن يلعب تشي دور الطبيب داخل الحركة. فصحته العليلة (عانى من الربو طيلة حياته) لم تكن تؤهله ليكون محاربا. إلا أنه بالرغم من ذلك شارك في التداريب العسكرية جنبا إلى جنب مع باقي أعضاء الحركة، وأبان عن جدارته.

غرانما

يوم 25 نوفمبر من سنة 1956، انطلق المركب غرانما من مرفأ توكسبان فيراكروس متجها نحو كوبا، وعلى متنه العديد من الثوريين. كان الغرانما مركبا قديما وكان يحمل عددا أكبر بكثير من قدرته. كان يمخر العباب وهو على وشك الغرق وسط الطقس العاصف الذي أصاب العديد من الركاب بدوار رهيب. لكن كل هذا لم يكن سوى بداية مشاكلهم.

كادت الحملة أن تفشل من بدايتها. رسوا في المكان الخطأ ووقعوا في مستنقعات. هاجمتهم القوات الحكومية مباشرة بعد نزولهم، وقتل حوالي نصف الثوار أو أعدموا بعد إلقاء القبض عليهم. لم ينج سوى مابين 15 و20 مقاتلا. وقد تمكنت هذه القوات المسحوقة والمنهكة، بطريقة ما، من إعادة التجمع والفرار إلى جبال سييرا ماسترا حيث شنوا حرب عصابات ضد دكتاتورية باتيستا.

بالرغم من الانتكاسة التي تعرضوا لها في البداية، وجه الثوار ضربة شجاعة خلفت صدى لها في قلوب وعقول الجماهير والشباب على وجه الخصوص. فالتحقت بهم قوات جديدة لملء صفوفهم المنهكة. امتدت حرب العصابات على طول شرق كوبا. كان تشي قد التحق بالحركة كطبيب، لكن خلال المعركة كان عليه أن يحسم فيما إذا كان سيخدم القضية بشكل أفضل كطبيب أم كمقاتل. ولقد قرر:

« ربما كانت تلك المرة الأولى التي واجهت اللغز بعبارة عملية، هل سأكرس نفسي للطب أو لواجبي كجندي ثوري. انتصبت أمامي حقيبة طبية مليئة بالأدوية وصندوق رصاص، وكان الصندوقان أثقل من أن يحملا معا، أخذت صندوق الرصاص وتركت الحقيبة...»

(Quizás esa fue la primera vez que tuve planteado prácticamente ante mí el dilema de mi dedicación a la medicina o a mi deber de soldado revolucionario. Tenía delante de mí una mochila llena de medicamentos y una caja de balas, las dos eran mucho peso para transportarlas juntas; tomé la caja de balas, dejando la mochila....")

كانت قوة حركة التمرد تلك تكمن أساسا في الضعف الكبير الذي كان يعانيه النظام القديم، الذي كان قد تعفن كليا باستشراء الفساد فيه وانحطاطه. كان نظام باتيستا، بالرغم من كل الدعم والأموال والأسلحة التي كانت الولايات المتحدة تمده بها، عاجزا عن وقف تقدم الثورة. جنوده كانوا غير راغبين في المخاطرة بحياتهم للدفاع عن نظام محتضر. الجيش وبعد إضعافه وضرب معنوياته، بسبب تعرضه لسلسلة من الهزائم في مرتفعات السييرا ماسترا، غويسا وكاوطو، كان قد صار منحط المعنويات عندما تم شن الهجوم الأخير.

صار تشي خلال هذه الحملة يحتل منصب Comandante (قائد)، ونال الشهرة بفضل شجاعته وإقدامه ومهاراته الحربية. صار الآن الرجل الثاني بعد فيديل كاسترو. خلال الأيام الأخيرة من شهر دجنبر 1958، سار القائد غيفارا وكتيبة المقاتلين الذين تحت إمرته شرقا من أجل القيام بالهجوم الأخير على هافانا. تكلفت هذه الكتيبة بالقيام بأخطر المهام خلال الهجوم الحاسم على سانتا كلارا. وقد أشار كاسترو في خطاب له ألقاه في بالما سوريانو، يوم 27 دجنبر 1983، إلى أهمية هذا الهجوم قائلا:

« أقمنا خطوطنا الدفاعية على نهر كاوتييو. كنا قد حاصرنا مابوس، لكن كانت بالما لا تزال خارج سيطرتنا. كان هناك حوالي 300 جندي من قوات العدو. كان علينا أن نستولي على بالما. كنا مهتمين أيضا بالاستيلاء على الأسلحة التي كانت موجودة في بالما، لأننا عندما غادرنا لا بلاتا، في سييرا ماسترا، بسبب الهجوم الأخير، تركنا هناك 25 جنديا مسلحا و1000 ملتحق غير مسلح. سلحنا تلك القوات خلال الحرب. سلحناهم خلال المواجهات، لكننا لم نكمل تسليحهم كليا بالفعل إلا في بالما.»

صدرت الأوامر الأخيرة إلى جيش المتمردين من بالما يوم الفاتح من يناير 1959. لكن الضربة الأخيرة التي قضت على الدكتاتورية كانت هي الإضراب العام الذي نظمه عمال هافانا. البنيان كله انهار كبيت من الورق. كان جنرالات باتيستا يحاولون التفاوض للوصول إلى اتفاقية سلام مع المتمردين من وراء ظهر باتيستا. وعندما علم الدكتاتور بهذا، استوعب أن اللعبة انتهت وفر إلى جمهورية الدومينيكان خلال اليوم الأول من سنة 1959.

في السلطة

تم تحطيم الدولة البورجوازية القديمة وتشكيل سلطة جديدة، بطريقة مرتجلة في الواقع، على أساس جيش المغاوير. انتقلت السلطة الآن إلى أيدي جيش المغاوير. لقد سعد الماركسيون في جميع أنحاء العالم بانتصار الثورة الكوبية. لقد شكلت ضربة قوية للإمبريالية والرأسمالية والملكية العقارية على أعتاب أقوى دولة امبريالية في التاريخ. لقد أعطت أملا للجماهير المضطهدة في كل مكان. إلا أن الطريقة التي تحققت من خلالها كانت مختلفة عن ثورة أكتوبر 1917 الروسية. فلم تكن هناك سوفييتات، والطبقة العاملة، بالرغم من أنها أمنت النصر النهائي للثورة عبر إضراب عام، لم تلعب دورا قياديا.

هناك من سيقول أن هذا الكلام لا معنى له، وأن كل ثورة مختلفة عن الثورات الأخرى، وأنه لا يمكن أن يكون هناك نموذج يمكن تطبيقه على جميع الحالات، وهكذا دواليك. هذا صحيح إلى حد ما. فكل ثورة لديها ملامحها الخاصة ومميزاتها التي ترتبط بالظروف الملموسة المختلفة، بموازين القوى بين الطبقات والتاريخ والتقاليد الخاصة بكل بلد على حدة. لكن هذه الملاحظة لا تحسم المسألة.

"دكتاتورية البروليتاريا"

لقد وضح ماركس أنه لا يمكن للعمال أن يكتفوا بالاستيلاء على جهاز الدولة القديم واستخدامه من أجل تغيير المجتمع. لقد طور نظريته عن السلطة العمالية في كتابه: الحرب الأهلية في فرنسا: رسالة إلى المجلس العام للجمعية الأممية للعمال، 1871. ما هو جوهر هذه النظرية؟ شرح ماركس أنه لا يمكن للدولة القديمة أن تعمل كوسيلة لتغيير المجتمع. يجب تحطيمها واستبدالها بسلطة دولة جديدة، دولة عمالية، ستكون مختلفة بشكل مطلق عن آلة الدولة القديمة، أي عن « سلطة الدولة الممركزة، مع أجهزتها المنتشرة في كل مكان والقائمة على مبدأ تقسيم العمل تقسيما منتظما وهرميا، مع الجيش الدائم والشرطة والبيروقراطية ورجال الدين والهيئة القضائية». ستكون تلك الدولة الجديدة، على حد تعبير ماركس، شبه دولة تسير نحو اضمحلالها:

« تشكلت الكومونة من أعضاء المجالس البلدية الذين اختيروا بالاقتراع العام في مختلف دوائر باريس. كانوا مسئولين وكان من الممكن إلغاء التفويض الممنوح لهم في أي وقت. كانت أغلبية أعضائها، بطبيعة الحال، من العمال أو من ممثلي الطبقة العاملة المعترف بهم. كان يراد للكومونة أن تكون، ليس هيئة برلمانية، بل هيئة عاملة تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت نفسه.

« وبدل أن تضل الشرطة أداة في يد الحكومة المركزية، تم تجريدها في الحال من جميع وظائفها السياسية وتحولت إلى هيئة للكومونة مسئولة ويمكن عزلها في كل حين. وعلى هذا النحو كان مسئولو سائر فروع الإدارة بأسرها، ومن فوق إلى أسفل، ابتداء من أعضاء الكومونة، كان يتعين أداء الخدمة العامة لقاء أجرة تساوي أجرة العامل. وقد اختفت جميع الامتيازات والعلاوات التي كان يتقاضاها كبار موظفي الدولة مع اختفاء هؤلاء الموظفين. وكفت الوظائف العامة عن أن تكون ملكا خاصا للموظفين الذين تعينهم الحكومة المركزية. وانتقلت إلى أيدي الكومونة لا إدارة البلدية فحسب، بل أيضا كامل المبادرة التي كانت تمارسها الدولة حتى ذلك الحين.

« وبعد أن أزالت الكومونة الجيش الدائم والشرطة، وهما أداتا الحكم المادي في يد الحكومة القديمة، أخذت في الحال تكسر أداة الاستعباد الروحي، "قوة الكهنة"، وذلك بفصل الكنيسة عن الدولة ومصادرة جميع الكنائس لكونها هيئات تملك الأموال. وتعين على رجال الدين أن يعودوا إلى حياة متواضعة كأفراد بسطاء يعيشون مثل أسلافهم – الرسل، على صدقات المؤمنين.» (ماركس: الحرب الأهلية في فرنسا، الرسالة الثالثة، ماي 1871 [كومونة باريس])

ليس لهذا أية علاقة إطلاقا مع النظام البيروقراطي الكلياني الذي ساد في روسيا الستالينية حيث كانت الدولة سلطة قمعية رهيبة تقف فوق المجتمع. حتى كلمة "دكتاتورية" كان لها في زمن ماركس معنى مختلف تماما عن المعنى الذي تحتويه اليوم. فبعد تجارب ستالين وهتلر وموسوليني وفرانكو وبينوتشي صارت الكلمة تعني معسكرات الاعتقال، الغستابو والكا جي بي. لكن ماركس كان يقصد في الحقيقة دكتاتورية جمهورية روما، حيث كانت آليات الديمقراطية المعتادة تلغى مؤقتا خلال حالات الطوارئ (زمن الحرب عادة) ويعطى الحكم مؤقتا لدكتاتور يتمتع بسلطات استثنائية.

لقد كانت كومونة باريس أبعد ما تكون عن وحش كلياني، كانت شكلا جد ديمقراطي للحكومة الشعبية. لقد كانت دولة مبنية لكي تنتهي بالزوال، كانت شبه دولة على حد تعبير إنجلز. لقد بنا لينين والبلاشفة الدولة السوفييتية بعد ثورة أكتوبر على أساس نفس النموذج. مارس العمال السلطة عبر مجالس السوفييتات، التي كانت أكثر أجهزة التمثيلية الشعبية ديمقراطية على الإطلاق.

تمتع العمال بالحقوق الديمقراطية بالرغم من ظروف التخلف الرهيب الذي كانت تعرفه روسيا. ولقد أكد برنامج الحزب سنة 1919 على: « يجب إقناع كل فئات الجماهير العاملة، بدون استثناء، بالمشاركة في مهمة تسيير الدولة». كانت إدارة الاقتصاد المخطط موضوعة أساسا بين أيدي النقابات. وقد تمت ترجمة هذه الوثيقة فورا إلى جميع لغات العالم الرئيسية وتم توزيعها على أوسع نطاق. إلا أنه خلال تطهيرات 1936 صار ينظر إليها كوثيقة خطيرة وصودرت جميع نسخها من كل المكتبات وأكشاك بيع الكتب في الاتحاد السوفييتي.

جميع الثورات التي لا تلعب فيها الطبقة العاملة الدور القيادي، بل تلعب قوى أخرى هذا الدور، تظهر فيها بشكل حتمي مجموعة من المميزات. هناك دائما ميل لدى الدولة إلى أن ترتفع فوق بقية المجتمع ويمكن حتى لأشد الناس إخلاصا أن يتعرضوا، في ظل شروط معينة، للإفساد أو فقدان العلاقة مع الجماهير. هذا هو السبب الذي جعل لينين يصوغ شروطه الأربعة الشهيرة للسلطة العمالية:

  1. انتخابات حرة وديمقراطية لجميع المسئولين مع الحق في عزلهم.

  2. ليس من حق أي مسئول أن يتقاضى أجرة أعلى من أجرة عامل مؤهل.

  3. لا للجيش الدائم بل الشعب المسلح.

  4. تدريجيا يمارس الجميع بالتناوب كل مهمات تسيير المجتمع (عندما يصير الجميع بيروقراطيا لا يبقى هناك بيروقراطي).

لم تكن هذه الشروط نزوة أو فكرة متعسفة اخترعها لينين. إذ في ظل اقتصاد مؤمم مخطط من الضرورة المطلقة ضمان أقصى أشكال المشاركة الجماهيرية في تسيير الصناعة والمجتمع والدولة. بدون هذا الشرط سيكون هناك حتما ميل نحو البيروقراطية والفساد وسوء الإدارة، التي يمكنها أن تؤدي في النهاية إلى تلغيم أسس الاقتصاد المخطط وتدميره من الداخل. هذا هو ما حدث بالضبط للاتحاد السوفييتي. لقد كان للنقاط التي أشار إليها لينين تأثير هام على الأحداث في كوبا وعلى تطور تشي.

وزير ثوري

احتل تشي العديد من المناصب في الحكومة الثورية. اشتغل في المعهد الوطني للإصلاح الزراعي، وكان رئيسا لبنك كوبا الوطني، حيث وقع الأوراق النقدية باسمه المستعار "Che". خلال كل هذا الوقت كان غيفارا يرفض تلقي الأجور مقابل هذه المهام مكتفيا فقط بأجرته الهزيلة كقائد في الجيش.

هذا الملاحظة الصغيرة تخبرنا بالكثير حول هذا الرجل. لقد أكد أنه يقوم بهذا لكي يعطي "مثالا ثوريا". إنه كان في الواقع يطبق حرفيا المبدأ الذي سطره لينين في الدولة والثورة بأنه لا يجب على أي موظف في الدولة السوفييتية أن يتلقى أجرا أعلى من أجرة عامل مؤهل. لقد كان هذا إجراءا مضادا للبيروقراطية. كان لينين، مثله في ذلك مثل ماركس، واعيا أشد الوعي بمخاطر قيام جهاز الدولة برفع نفسه فوق المجتمع وأكد على أن هذا الخطر موجود حتى في الدولة العمالية.

عمل لينين، آخذا كمنطلق له تحاليل ماركس وإنجلز لكومونة باريس، على وضع أربعة نقاط أساسية للنضال ضد البيروقراطية في الدولة العمالية سنة 1917.

« ولسوف نقلل من دور موظفي الدولة إلى مجرد تنفيذ تعليماتنا باعتبارهم ملاحظين ومحاسبين مسئولين قابلين للعزل ويتقاضون أجورا متواضعة (ويتم هذا بالطبع بالاستعانة بكافة الفنيين على اختلاف أنواعهم وأشكالهم ودرجاتهم). هذه هي مهمتنا البروليتارية، هذا ما يمكننا ويجب علينا أن نبدأ به عند القيام بالثورة البروليتارية.» (LCW, Vol. 25, p. 431.)

خلال الأشهر الأخيرة من حكم السوفييتات كان أجر مفوضي الشعب (بمن فيهم لينين نفسه) يساوي فقط ضعفي الحد الأدنى للأجور التي يتلقاها المواطن السوفييتي العادي. خلال السنوات اللاحقة غالبا ما كانت الأسعار وقيمة الروبل تتغير بسرعة وتبعا لها كانت تتغير الأجور. لكن حتى في ظل هذه الظروف كان لينين يصر على ألا يتجاوز الفرق بين أدنى أجر وأعلى أجر في أجهزة الدولة الحد المثبت، وطيلة حياته لم يتجاوز الفرق أبدا معدل 1 إلى 5.

في ظل ظروف التخلف، كان من الطبيعي أن يتم اللجوء إلى العديد من الاستثناءات التي كانت تشكل تراجعا عن مبادئ كومونة باريس. من أجل إقناع "الاختصاصيين البورجوازيين"(spetsy) بالعمل من أجل الدولة السوفييتية، كان من الضروري إعطائهم أجورا كبيرة جدا. كانت مثل تلك الإجراءات ضرورية إلى حين تتمكن الطبقة العاملة من خلق انتلجينسيا خاصة بها. إضافة إلى ذلك كان بعض العمال يتقاضون أجورا استثنائية مقابل بعض أنواع الوظائف في المصانع والمكاتب وهلم جرا.

إلا أنه بالرغم من ذلك، لم تكن هذه التنازلات تقدم للشيوعيين. لقد كانوا ممنوعين بحزم من تلقي أجر أكبر من أجر عامل مؤهل. وكان عليهم أن يقدموا للحزب أي مدخول آخر يتلقونه فوق هذا الأجر. كان رئيس مجلس ممثلي الشعب يتلقى 500 روبل، أي نفس الأجر الذي يتلقاه عامل مؤهل. وعندما قام مدير مجلس ممثلي الشعب، ف. د. بونش بروفيتش، بإعطاء لينين أجرا أكبر من أجره العادي، شهر ماي 1918، تعرض لتوبيخ شديد من طرف لينين، الذي وصف هذه الزيادة بـ "الغير مشروعة".

بسبب العزلة التي عانت منها الثورة، والحاجة إلى تشغيل المختصين والتقنيين البورجوازيين تم الرفع من أجورهم، صار بإمكانهم الحصول على أجر أعلى بـ 50 % من الأجر الذي كان أعضاء الحكومة يتلقونه. وقد أدان لينين هذا الإجراء باعتباره "تنازلا بورجوازيا" يجب التراجع عنه بأسرع وقت ممكن.

تشي غيفارا لم يتبنى هذا المبدأ الثوري نظريا فقط، بل تبناه عمليا أيضا.

تشي ضد الستالينية

لقد كان تشي غيفارا ثوريا بالغريزة. كان شخصا لا يمكن إفساده وكان يمقت البيروقراطية والوصولية والامتيازات. لقد كان رمز أخلاق المناضل الثوري الصارمة والطاهرة. ومن ثم فإنه وقف ضد مظاهر البيروقراطية والفساد التي لاحظ وجودها بعد انتصار الثورة.

طالما عبر تشي عن أفكار معارضة للمواقف الرسمية للحزب الشيوعي والاتحاد السوفييتي في ظل نيكيتا خروتشيف. كان معارضا لـ "نظرية" التعايش السلمي. ولم يكن يحب الخنوع الذي كان يبديه بعض الكوبيين اتجاه موسكو وإيديولوجيتها. وقد عارض، قبل كل شيء، البيروقراطية والوصولية والامتيازات. زياراته إلى روسيا وأوروبا الشرق