البلشفية طريق الثورة: الفصل السادس: سنة الثورة – لينين وتروتسكي عام 1917

من منفاه البعيد في سويسرا، كان لينين يراقب بقلق متزايد تطور الخط الذي يتبعه قادة البلاشفة في بتروغراد. وفور سماعه نبأ الإطاحة بالقيصر، أرسل برقية إلى بتروغراد في 06 مارس، قال فيها:

[Source]

«تكتيكنا: لا ثقة ولا دعم للحكومة الجديدة؛ يجب الحذر من كيرينسكي بشكل خاص؛ إن تسليح البروليتاريا هو الضمانة الوحيدة؛ انتخابات فورية لمجلس مدينة بتروغراد؛ لا تقارب مع الأحزاب الأخرى».

وبمجرد أن عادت برافدا إلى الظهور مجددا، بدأ لينين يبعث رسائله الشهيرة “رسائل من بعيد”. عند قراءة تلك المقالات ومقارنتها بخطب كونفرانس مارس، يتضح أننا أمام عالمين مختلفين. لا عجب أنها وقعت مثل قنبلة على أعضاء اللجنة المركزية المدهوشين! قصف لينين برافدا بالرسائل والمقالات التي تطالب العمال بالقطيعة مع الليبراليين البرجوازيين والاستيلاء على السلطة بأنفسهم. تظهر “رسائل من بعيد” عبقرية لينين الثورية في أوضح صورها. تظهر قدرته على تلخيص جوهر الموقف في لمحة، وحماسه وطريقته في التحديد الدقيق للشعارات الملموسة التي تنطبق على الوضع، وكيفية الانتقال من نقطة إلى أخرى. أشار في رسالته الأولى إلى أن ثورة فبراير وضعت “في الوقت الحاضر” غوتشكوف وميليوكوف في السلطة، لكن الحكومة الرأسمالية لم تستطع حل مشاكل الشعب الروسي.

«لقد تم اسقاط المَلكية القيصرية، لكن لم يتم تحطيمها كليا».

«وإلى جانب هذه الحكومة… ظهرت الحكومة العمالية غير الرسمية وغير المتطورة بعد والضعيفة نسبيا، والتي تعبر عن مصالح البروليتاريا وكل العناصر الفقيرة من سكان المدن والأرياف، أي سوفييت نواب العمال في بتروغراد، الذي يسعى إلى التواصل مع الجنود والفلاحين، وكذلك مع العمال الزراعيين، وخاصة ، بالطبع وفي المقام الأول، مع هؤلاء الأخيرين، أكثر مما مع الفلاحين».

على حل هذا التناقض علق نظام “ازدواجية السلطة” مصير الثورة. ما هو الموقف الذي يجب على البلاشفة اتخاذه تجاه الحكومة المؤقتة؟

«إن من يقول إنه على العمال أن يدعموا الحكومة الجديدة لصالح النضال ضد الرجعية القيصرية (وهذا ما يقوله، على ما يبدو، أمثال بوتريسوف وغفوزديوف وتشخينكيلي، وأيضا تشخيدزه رغم كل لفه ودورانه) هو خائن للعمال وخائن لقضية البروليتاريا ولقضية السلام والحرية».

وهنا يصل لينين إلى موقف مماثل للموقف الذي دافع عنه تروتسكي منذ أكثر من عقد، حيث يقول:

«إن ثورتنا هي ثورة برجوازية، لذا يجب على العمال أن يفتحوا أعين الشعب على الخداع الذي يمارسه السياسيون البرجوازيون، ويعلمونه ألا يثق في الكلمات، وألا يعتمد إلا على قوته الخاصة، وتنظيمه الخاص، ووحدته الخاصة، وأسلحته الخاصة».

وفي الرسالة الثانية وجه لينين انتقادات حادة للبيان الذي أصدره قادة السوفييت، الذي يختبئ وراء عبارات سلمية، ويعلن أن جميع الديمقراطيين يجب أن يدعموا الحكومة المؤقتة، ويأذن لكيرنسكي بالمشاركة فيها. رد لينين على ذلك قائلا:

«ليست المهمة هي “إقناع” الليبراليين، بل هي أن نشرح للعمال لماذا يجد الليبراليون أنفسهم في مأزق، ولماذا هم مقيدو الأيدي والأقدام، ولماذا يخفون كلا من المعاهدات التي أبرمتها القيصرية مع إنجلترا وبلدان أخرى والصفقات بين الرأسمال الروسي والرأسمال الأنجلو – فرنسي، وما إلى ذلك» [1].

عندما وصلت رسائل لينين إلى زعماء البلاشفة في بتروغراد، شعروا بالصدمة. لقد ظنوا أن قائدهم قد جن تماما! أو أنه، على الأقل، بعيدا جدا بحيث لا يفهم الجوانب العملية للوضع في روسيا. فاندلع آنذاك صراع مرير بين لينين وبين أقرب رفاقه. كتب كامينيف في برافدا، عدد 27، قائلا:

«بالنسبة للمخطط العام للرفيق لينين فإنه يبدو لنا غير مقبول، لأنه ينطلق من الافتراض بأن الثورة البرجوازية الديمقراطية قد اكتملت، ويستند إلى التحويل الفوري لهذه الثورة إلى ثورة اشتراكية»[2].

هذا التصريح يبين بدقة آراء كامينيف وستالين ومعظم “البلاشفة القدامى” الآخرين في ربيع عام 1917.

من بين جميع قادة الحركة الاشتراكية الديمقراطية، في ذلك الوقت، كان هناك واحد فقط من التقى موقفه مع الموقف الذي دافع عنه لينين. وكان ذلك الشخص هو ليون تروتسكي، الذي كثيرا ما اشتبك معه لينين في الماضي. عندما سمع تروتسكي لأول مرة عن ثورة فبراير، كان ما يزال في المنفى في الولايات المتحدة. وقد بدأ فورا في كتابة سلسلة من المقالات لجريدة “نوفي مير” (العالم الجديد)، والتي نُشرت في أعدادها لأيام 13 و 17 و 19 و 20 مارس 1917.

الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو حقيقة أنه وعلى الرغم من عدم وجود أي اتصال بين تروتسكي ولينين، الذي كان في سويسرا على بعد آلاف الأميال، فإن محتوى هذه المقالات كان مطابقا لمحتوى مقالات لينين “رسائل من بعيد”، التي كتبت في نفس الوقت. دعونا نتذكر أن رسائل لينين هذه قد صدمت القادة البلاشفة في بتروغراد لدرجة أن كامينيف وستالين قاما بحضرها أو نشرها في صورة مشوهة. في الوقت الذي كان فيه “البلاشفة القدامى” يعملون، على عكس نصيحة لينين، على التقارب مع المناشفة، بدت أفكار لينين لهم وكأنها “تروتسكية” خالصة، ولم يكونوا مخطئين في ذلك. لقد دفع منطق الأحداث لينين وتروتسكي إلى التقارب معا. لقد توصلا، بشكل مستقل، وانطلاقا من اتجاهات مختلفة، إلى نفس النتيجة وهي أنه: لا يمكن للبرجوازية أن تحل مشاكل روسيا. ويجب على العمال أن يستولوا على السلطة.

كتب تروتسكي في مقالته: “وجهان – القوى الداخلية للثورة الروسية” قائلا:

«من الناحية الرسمية، أي بالأقوال، وافقت البرجوازية على ترك مسألة الشكل الذي ستكون عليه الحكومة لتقدير الجمعية التأسيسية. لكن من الناحية العملية، ستحول حكومة الأوكتوبريين-الكاديت المؤقتة جميع الأنشطة التحضيرية لتشكيل الجمعية التأسيسية إلى حملة لصالح المَلكية ضد الجمهورية. سوف تعتمد طبيعة الجمعية التأسيسية إلى حد كبير على طبيعة أولئك الذين سيدعون إليها. بالتالي فإنه من الواضح أنه يتعين على البروليتاريا الثورية الآن أن تنشئ أجهزتها الخاصة، أي مجالس العمال ونواب الجنود والفلاحين، ضد الأجهزة التنفيذية للحكومة المؤقتة. وفي خضم هذا الصراع يجب على البروليتاريا أن توحد حولها جماهير الشعب المنتفضة بهدف واحد وهو الاستيلاء على السلطة الحكومية. وحدها حكومة عمالية ثورية من ستكون لديها الرغبة والقدرة على تمكين البلد من تطهير ديمقراطي شامل خلال العمل التحضيري لتشكيل الجمعية التأسيسية، وإعادة بناء الجيش من أعلى إلى أسفل، لتحويله إلى ميليشيا ثورية، وإقناع الفلاحين الفقراء، في الممارسة العملية، أن خلاصهم الوحيد هو دعم النظام العمالي الثوري. إن الجمعية التأسيسية التي سيتم تشكيلها بعد هذا العمل التحضيري ستعكس بشكل حقيقي القوى الثورية والإبداعية للبلد وتصبح عاملا قويا في المزيد من تطوير الثورة»[3].

تعيد هذه الأسطر، التي هي مثال نموذجي عن الموقف الذي اتخذه تروتسكي في ذلك الوقت، إنتاج موقف لينين بالضبط. لكن لينين لم يكن على علم بذلك. لقد ضللته تلك التقارير الكاذبة عن موقف تروتسكي، التي أرسلتها له من أمريكا ألكسندرا كولونتاي، التي كانت قد انفصلت مؤخرا عن المناشفة، وبالتالي كانت حريصة على تقديم نفسها إلى لينين باعتبارها راديكالية متطرفة، وصورت تروتسكي كذبا بكونه “وسطيا”. صدق لينين ذلك الهراء وكتب في ردوده على كولونتاي، بعض الأشياء القاسية للغاية عن تروتسكي، والتي استخدمها الستالينيون بنذالة فيما بعد. لكن عندما عاد تروتسكي إلى روسيا وبدأ على الفور يلعب دورا بارزا في الجناح الثوري، غير لينين رأيه فيه، وقال عنه إنه: “ليس هناك بلشفي أفضل منه”. أما بالنسبة لكولونتاي، فإنها أوصلت نزعتها اليسراوية المتطرفة إلى نهايتها المنطقية، حيث دخلت في صراع مع كل من لينين وتروتسكي، قبل أن تصبح أخيرا خادمة خاضعة لنظام ستالين الشمولي.

إن التقارب التام لوجهات النظر بين لينين وتروتسكي، عندما دقت ساعة الحقيقة، لم يكن مصادفة. فمنذ عام 1909، كان ليون تروتسكي -الذي كان الوحيد من توقع أن الثورة إما ستنتصر كثورة عمالية أو أنها لن تنتصر على الإطلاق- قد حذر من أن الطبيعة المعادية للثورة لشعار “الديكتاتورية الديمقراطية للبروليتاريا والفلاحين” لن تصبح واضحة إلا في اللحظة التي ستطرح فيها مسألة السلطة على جدول الأعمال. والآن اتضح أنه كان على صواب. كان الجانب الضعيف لنظرية لينين، وأثرها في الممارسة العملية، سببا في الأخطاء الجسيمة للغاية التي ارتكبها قادة البلاشفة في وقت ثورة فبراير، والتي لم يصححها لينين إلا بعد عودته وعلى أساس صراع داخلي حاد. حتى زينوفييف يعترف بذلك في كتابه المخادع “تاريخ الحزب البلشفي”، الذي نُشر عام 1923 كجزء من الحملة ضد “التروتسكية”، على الرغم من أن اعترافه جاء، كما هي عادته دائما، ملتبسا وغير نزيه:

«لا يمكن إنكار هذا التطور الذي عرفته وجهات نظرنا على مدار الأعوام من 1905 إلى 1917، كما لا يمكن إنكار حقيقة أنها تطورت عبر تناقضات محددة أدت إلى خلق اختلافات خطيرة للغاية بيننا عشية أكتوبر 1917. البعض منا (بمن فيهم أنا) أيد لفترة طويلة فكرة أنه في بلدنا الفلاحي لا يمكننا أن ننتقل مباشرة إلى الثورة الاشتراكية، وأن نأمل فقط أنه إذا تزامنت ثورتنا مع بداية الثورة البروليتارية الأممية، فقد تصبح شرارة لها»[4].

تبين هذه الأسطر، وعلى الرغم من طابعها المراوغ، كل ما حدث داخل الحزب البلشفي خلال الأشهر القليلة الأولى بعد ثورة فبراير 1917. إن ما حدث لرسائل لينين يلقي الكثير من الضوء على علاقاته مع “البلاشفة القدامى”. لقد كانت صورة طبق الأصل لما حدث في 1912-1913. بل حتى الجهات الفاعلة كانت هي نفسها. فقد كان ستالين وكامينيف هما رئيسي التحرير مرة أخرى. ومرة أخرى اختارا الطريق الأقل مقاومة عبر ما يسمى بالتوفيقية. ومرة أخرى ردا على انتقادات لينين واحتجاجاته من خلال مقص الرقابة الصارمة. كان قادة البلاشفة يشعرون بالحرج الشديد من خطابات لينين لدرجة أنهم عندما أحضرت كولونتاي أول رسالتين إلى بتروغراد، في أواخر مارس، ترددوا لعدة أيام قبل النشر. وحتى في ذلك الحين لم ينشروا سوى واحدة فقط من الرسالتين، وذلك بعد حذف كل تلك المقاطع التي يوضح فيها لينين معارضته لأي اتفاق مع المناشفة. وكان نفس المصير ينتظر بقية مقالات لينين. كانوا إما يمنعون نشرها أو ينشرونها في شكل مشوه. وفي هذا السياق تقول كروبسكايا:

«تم نشر الرسالة الأولى فقط في اليوم الذي وصل فيه لينين إلى سان بيترسبورغ، وكانت الرسائل الثلاثة الأخرى ترقد في مكتب المحررين، أما الخامسة فلم يكن قد تم إرسالها بعد إلى برافدا، حيث أن لينين كان قد بدأ في كتابتها قبيل رحيله إلى روسيا»[5].

يتذكر تروتسكي في سيرته الذاتية قائلا:

«في نيويورك، في بداية شهر مارس عام 1917، كتبت سلسلة من المقالات تتناول القوى الطبقية للثورة الروسية ومنظوراتها. وفي ذلك الوقت بالذات كان لينين، في جنيف، يرسل إلى بتروغراد رسائله من بعيد. وكلانا، على الرغم من أننا كنا نكتب في أجزاء مختلفة من العالم ويفصلنا المحيط، قدمنا نفس التحليل ونفس التوقعات. كانت وجهات نظرنا متطابقة تماما حول كل مسألة من المسائل الرئيسية، مثل الموقف من الفلاحين والموقف تجاه البرجوازية والحكومة المؤقتة والحرب والثورة العالمية. هنا تم اختبار العلاقات بين “التروتسكية” وبين اللينينية على محك التاريخ. ونفذ الاختبار في ظروف تجريبية نموذجية. في ذلك الوقت لم أكن أعرف شيئا عن موقف لينين؛ لقد جادلت على أساس منطقي الخاص وتجربتي الثورية الخاصة، ورسمت نفس المنظور واقترحت نفس الخط الاستراتيجي الذي اقترحه لينين.

لكن ربما كانت المسألة واضحة للجميع في ذلك الوقت، وكان الحل مقبولا من طرف الجميع؟ كلا، على العكس تماما؛ لقد كان موقف لينين في تلك الفترة، أي قبل 04 أبريل 1917، عندما ظهر لأول مرة على مسرح بتروغراد، موقفه الشخصي ولم يكن يشاركه فيه أحد. لم يكن لدى أي من قادة الحزب، الذين كانوا في روسيا، أي نية في جعل ديكتاتورية البروليتاريا -الثورة الاشتراكية- الهدف المباشر لسياسته. لقد أظهر كونفرانس الحزب، الذي انعقد عشية وصول لينين، وحضره حوالي 30 من البلاشفة، أن لا أحد منهم كان يتخيل شيئا آخر أبعد من الديمقراطية البرجوازية. لا عجب في أن محاضر هذا الكونفرانس ما تزال سرا لحد الآن! لقد كان ستالين مؤيدا لدعم حكومة غوتشكوف وميلوكوف المؤقتة، ومؤيدا لدمج البلاشفة مع المناشفة»[6].

آلان وودز

ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

هوامش:

[1]: LCW, Telegram to the Bolsheviks Leaving for Russia, 6 (19) March 1917, vol. 23, p. 292, p. 298, p. 304, p. 305, p. 306 and p. 317 (خط التأكيد في الأصل)

[2]: LCW, Letters on Tactics, vol. 24, p. 50.

[3]: L. Trotsky, Leon Trotsky Speaks, pp. 46-47.

[4]: G. Zinoviev, History of the Bolshevik Party, pp. 177-78.

[5]: N.K. Krupskaya, Reminiscences of Lenin, p. 338.

[6]: L. Trotsky, My Life, pp. 329-30.