كثيرا ما يصف نقاد البلشفية البرجوازيون ثورة أكتوبر بأنها انقلاب. هذا الادعاء كاذب حتى النخاع. لقد استمرت الثورة على مدى تسعة أشهر، تمكن خلالها الحزب البلشفي، باستخدام أكثر الوسائل ديمقراطية، من كسب الأغلبية الحاسمة من العمال والفلاحين الفقراء. هذا الواقع وحده هو ما يفسر قدرتهم على التغلب بسهولة على مقاومة قوات كيرينسكي. وعلاوة على ذلك، كما سنرى لاحقا، لم تكن هناك من طريقة لكي يتمكن البلاشفة من الاحتفاظ بالسلطة لولا دعم الأغلبية الساحقة في المجتمع. كان التدخل الفعال للجماهير هو العامل الحاسم في كل مرحلة من مراحل الثورة. وقد ترك ذلك التدخل بصمته الواضحة على السيرورة برمتها. لم يكن بإمكان الطبقة السائدة وممثليها السياسيين والعسكريين سوى عض شفاههم وهم يشاهدون عاجزين انزلاق السلطة من بين أيديهم. صحيح أنهم كانوا متورطين في مؤامرات مستمرة ضد الثورة، بما في ذلك الانتفاضة المسلحة التي قادها الجنرال كورنيلوف، التي كانت تهدف إلى الإطاحة بكيرينسكي وإرساء ديكتاتورية عسكرية، لكن كل ذلك تحطم على صخرة الحركة الجماهيرية.

لقد وصلت ساعة العمل الحاسم. وبحلول ذلك الوقت كان صبر العمال البلاشفة في القاعدة قد بدأ ينفذ بسبب عدم اتخاذ القيادة لإجراءات حاسمة. في 19 أكتوبر (01 نوفمبر)، وخلال اجتماع سري للجنة المركزية، قرأ لينين مرة أخرى بيانا يؤكد على ضرورة تنظيم الانتفاضة فورا. ومع معارضة صوتين اثنين فقط -صوتا كامينيف وزينوفييف- تقرر أن الطريقة الوحيدة لإنقاذ الثورة من الخراب هي الانتفاضة المسلحة. لكن رفيقي لينين القدامى، كامينيف وزينوفييف، المقتنعين بأن الانتفاضة ستكون كارثية بالنسبة للحزب والثورة، شنا حملة محمومة لوقفها. وفي 18 أكتوبر وصلا إلى أقصى حد بنشرهما لمقال في جريدة غير حزبية، جريدة غوركي نوفايا جيزن، تعارض بشكل صريح ​​تنظيم الانتفاضة باعتبارها “عملا يائسا” من شأنه أن يؤدي إلى “العواقب الأكثر تدميرا على الحزب وعلى البروليتاريا وعلى مصير الثورة”. والجدير بالذكر أن الرسالة، التي صدرت بتوقيع كامينيف، أعلنت أنها لا تتحدث باسم عضوين فقط داخل اللجنة المركزية، بل باسم عدد كبير (لم يتم تسميتهم) من “قادة الحزب”، تقول المقالة:

خلال الأشهر التي سبقت أكتوبر، نجح البلاشفة، بفضل تكتيكات متقنة ومرنة، في زيادة نفوذهم بشكل كبير داخل السوفييتات إلى درجة أنه صارت لديهم، مع حلفائهم، الأغلبية في مؤتمر السوفييتات. وهذا وحده ما يفسر الطابع السلمي نسبيا لانتفاضة أكتوبر. لم يكن السبب عسكريا في المقام الأول، بل لأنه كان قد تم إنجاز تسعة أعشار العمل مسبقا. كانت ساحة النضال الأكثر أهمية هي السوفييتات نفسها. يقدم أنويلر الوصف التالي لميزان القوى بين الأحزاب داخل السوفييتات عشية الانتفاضة: